فهرس الكتاب

الصفحة 15205 من 23694

كما تمثّل جبري بعد هذا المطاف الطويل من القول برأي للمفكر الفرنسي أناتول فرنس""أيّ الرجال يستطيع أن يفخر بأنه فكّر في أمر لم يفكّر فيه غيره؛ فالأديب يعلم علم اليقين أنّ الأفكار ملك الناس بأجمعهم، فلا يقدر أحد أن يقول: (هذا الفكر لي) . الأديب يعلم أن قيمة الأدب بالقالب الذي يفرّغ فيه هذا الفكر، فإفراغ فكرة في قالب حديث هذا هو الفنّ كلّه، وهذا مايستطيع البشر إبداعه وإنشاءه، ليس الفكر بملك من يبدعه، وإنّما هو ملك الذي يثبته في أذهان الرجال" (82) ."

لقد تبنّى شاعر الشام جبري رأي أناتول فرنس، فإنه كان يرى رأيه، ذلك لأنّ شروط الفنّ من زمن هوميروس لم تتغيّر حتى يومنا هذا إلاّ قليلًا، وعلّل ذلك بقوله:

"وأناتول لا يخطر بباله أن هذه الشروط تتغيّر كثيرًا من هذا اليوم حتى يوم القيامة".

هذه المقدمة النقدية الجبرية على غاية من الأهمية في ميدان النقد العربي الحديث، فلقد عبّر فيها جبري عن هذه المعركة الأدبية الحديثة بين أنصار القديم وعشّاق الحديث في كل زمان ومكان، والمعيار النقدي عنده هو جوهر الإبداع في الفن التعبيريّ والإفصاح عن العواطف، وتصوير الأفكار مستشهدًا بقول الإمام علي (ع) :"لولا أن الكلام يعاد لنفد"، وفي هذا القول فصل الخطاب.

لا انفصام إذًا بين القديم والجديد، كما أنه لا انفصام بين السابقين واللاحقين، فلكل قديم جديد، ولا يتولّد الجديد إلاّ من القديم، ومن هذا المنطلق النقديّ في أواصر العلاقة بين القديم والجديد يمكن فهم قول أمين الخولي:"قتل القديم فهمًا أول كل جديد"، فعلينا من هذا المنطلق أن نتمكن من القديم فنتدبّر تراثه التليد لنستطيع الخوض في خضّم الإبداع بَيْدَ أننا يجب ألانجمد ولا نتحجر على القديم، إنما يجب أن يكون هذا سبيلنا إلى سلوك دروب الابتكار والتشوف إلى آفاق الإبداع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت