فهرس الكتاب
يعني هذا الاتجاه الهام في نظر الكاتب أن القديم والجديد، والجيّد والرديء متداخلان، فقد يكون من القديم ماهو رديء، وقد يكون من الحديث ماهو جيّد، وهنا يبطل عند بعضهم بقصر الجيد أوالرديء على أحدهما دون باعتبار الزمن، وهنا لا يوجد أي ارتباط بين هذين المفهومين خيرًا أو شرًا، وإيجابًا أو سلبًا، وإنما الخير كامن فيهما معًا وكذلك الشرّ، والأصل هو الإبداع في القديم وفي الجديد معًا، ذلك لأن الجديد سيغدو قديمًا وتلك هي سنة الحياة التطورية.
وممّا يسترعي الانتباه حقًا في مقال الدكتور أحمد زكي موقفه من هذا الربط الاجتماعي والجدة من خلال القديم والتقدمية، وقد أنكر كل الإنكار هذا الربط المهلهل لأنه غير واقعيّ وغير منطقي، فهو مرفوض حكمًا في نظره وغير مقبول، وربّما فاته أن القديم والتقدمية مشتقان من جذر لغوي واحد، وهو القاف والدال والميم، وهذا يؤكد بالتالي الوحدة الوجودية في الجدلية الكونية، فلا يكون التقدم الحديث الجيد، أي التقدمية، إلاّ من خلال تمثّل القديم الخيّر ليتمثل الإبداع الجديد في منهجه التطوريّ المحدث.
العظامية والعصامية
هكذا يتضّح من خلال هذه النظرة الاجتماعية سلوك الإنسان ذاته و نفسيته الاتكالية، وافتخاره بالسلف الصالح من آبائه وأجداده السابقين، واعتداده بما وصل إليه وحصّله.. بجهده الذاتي وعرق جبينه، فبنى عزّه ومجده الشخصي، وحقق آماله. وفي أقوال العرب المأثورة، وأمثالهم القديمة المشهورة:"فلان عصاميّ وعظامي، أي شريف النفس والمنصب وفي الأمثال العربية المعروفة أيضًا:"كن عصاميًا ولا تكن عظاميًا". وشرح هذا المثل بقولهم:"فمُدح العصاميّ لاعتماده على نفسه في حاضره، وذُمَّ العظامي لاتكاله علىغيره في ماضيه"، لأنّه ممّن يفتخر بالعظام النخرة كما شرحه ووضحه شارح القاموس المحيط (87) . كما ذكر اللغويون أن المراد بالمثل السابق قول الشاعر (88) :"
نفسُ عصامٍ سوّدتْ عصاما
وعلّمته الكرّ والإقداما