فهرس الكتاب
نستطرد بعد هذا التقديم في الجدلية الكونية لنتحدث عن الحجاجية العربية اللّغوية المتمثلة في فعل الكون، ناقصًا أو تامًّا، وتوضيحه من خلال الأصول اللغوية، ونشير إلى مصطلحي (الكوني) و (الكنتنيّ) .
في التعريف اللغوي أن (الكون هو الحدث) ، وقد (كان كونًا وكينونةً) ، كما ورد في اللسان، ومنه القول: (رجل كنتيّ) أي كبير، وذلك أنه نُسب إلى الفعل (كنت) ، وقد قالوا: (رجل كنتنيّ) بزيادة النون، قال الشاعر:
وما أنا (كنتيٌ) ولا أنا عاجنٌ * * * * * وسرُّ الرجالِ (الكنتنيّ) وعاجن
فاستخدم الوجهين معًا، وهذا يطلعنا على عبقرية اللغة وطواعيتها لمقتضى الحال.
أمّا سيبويه فيرى أن إخراجه على الأصل أقيس، فنقول على حد مايوجب النسب إلى الحكاية (91) . وأمّا الجوهريّ فيوضّح ذلك بقوله:"يقال للرجل، إذا شاخ: (هو كنتيّ) ، كأنه نُسِبَ إلى قوله:"كنتُ في شبابي كذا) (92) . و (الكنتيّون) هم الشيوخ. وفي الحديث: أنه دخل المسجد، وعامّة أهله (الكنتيون) ، هم الشيوخ الذين يقولون: (كنّا كذا) ، و (كان كذا) ، و (كنتُ كذا) ، فكأنه منسوب إلى (كنتُ) . يقال (كأنّك، والله، قد كنتَ وصرتَ إلى(كان) و (كنتَ) ، أي صرتَ إلى أن يقال عنكَ (كان فلان) ، ويقال لك في حال الهرم: (كنتَ مرة كذا وكنت مرة كذا) ..." (93) ."
وممّا يسترعي الانتباه حقًا، فيما أورده ابن منظور، عبقرية اللغة العربيّة، في ضروب النحت والاشتقاق سواء أكان ذلك الاعتماد على الأصل، أم ما طرأ على هذا الأصل، وهذا الاستخدام للفعل الكونيّ، على هذا النهج الاشتقاقيّ والنحتيّ بحسب الأصل أو الظاهر، خير دلالة وأفضل بيّنة، على مانحن بصدده الآن، بَيْدَ أنّ الذي يهمّنا هنا وصف من يتغنّى بشبابه الماضي، أو علمه الغزير، أو ما إلى ذلك من وصف الذات الإنسانية، أي: كيف كانت؟ وكيف صارت؟ وهي وجه من وجوه الجدلية بين القديم والجديد. وهي الرمز المخفيّ في الكون الإلهيّ.
القديم والحديث