فهرس الكتاب

الصفحة 15271 من 23694

المؤشر الثاني هو اختفاء كثير من الألفاظ والتراكيب المغرقة في عاميتها. من لغة الحديث العادي بين المواطنين، على اختلاف انتماءاتهم الطبقية والثقافية. وهذا يبدو واضحًا.. حتى في أعماق الأحياء الشعبية وأكثرها إغراقًا في استخدام المفردات العامية. وقد لا يصعب على الدارس أن ينتبه إلى أن اللغة التي كانت سائدة في هذه الأحياء قبل نصف قرن، هي غيرها اليوم. ومع تغلغل الراديو والتلفزيون والصحف في هذه المناطق، فإن التهذيب اللغوي قد فرض نفسه عليهم فرضًا، وهم في عقر دارهم. ودون وعي أو إرادة منهم، باتوا يتداولون في ما بينهم ألفاظًا جديدة، كان يمكن أن تكون مستهجنة لو استخدموها في زمن أسبق.

جسور لغوية بين القاصي والداني

المؤشر الثالث يتعلق باللهجات العامية التي تختلف باختلاف المناطق في القطر الواحد. لقد تصدَّعت حصون الانغلاق والعزلة التي كانت تتمترس خلفها تلك اللهجات. وما زالت تمتد باستمرار جسور قوية تصل القاصي بالداني، وتمحو تلك الحدود التي كانت تفصل بقوة وحدّةٍ بين أبناء المناطق المختلفة.

لقد استقطب بناء سد الفرات في"الطبقة"قبل سنوات عددًا كبيرًا من المتعلمين والمثقفين وخاصة التكنوقراطيين. جاؤوا من مختلف أرجاء سورية. ومع لقائهم هناك -ولقاؤهم ذاك كان صورة عن اللقاءات الأخرى التي تدور في مختلف الأنحاء- كان لا بد من أن يقوم تفاعل بينهم هم أنفسهم من جهة، وبينهم وبين سكان المنطقة ذاتها من جهة أخرى. وكان لا بد من أرضية ثقافية مشتركة تجمع بينهم وتكون اللغة من عناصرها البارزة.

ومثلما كان السفر إلى هناك مصحوبًا بالشعور بالنفي، كذلك فإن ظهور، أحد من تلك المناطق البعيدة -نسبيًا- في إحدى كبريات مدن سورية حينذاك كان يبدو أشبه بظهور الفواكه النادرة.

آخر ورقة في شهر العسل المرّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت