فهرس الكتاب

الصفحة 15272 من 23694

غير أن هذه الصورة تغيرت نهائيًا اليوم. ونُزعت آخر ورقة في شهر العسل المرّ الطويل الذي أغلقت نفسَها المدنُ عليه. وهذا لا يعني بالطبع أن لغة المدينة هي الأقوم والأقرب إلى الفصحى، وأن لهجات المناطق هي الأدنى إلى العامية. بل إنه يعني الإشارة قبل كل شيء إلى ذلك الطابع الجدلي Dialectical الذي تتميز به العلاقات الثقافية الجديدة. ويكون تركيبه Synthesis اللازم عنه بالضرورة، انتصار الفصحى، وتلاشي الحدود تدريجيًا بين اللهجات المتباينة.

عجز العامية التعبيري

والعامية بعد هذا وذاك، كائن غير قابل للاستمرار في الحياة، ذاك أنها تحمل في ذاتها بذور فنائها واضمحلالها ، لا.. بسبب العجز التعبيري الذي تتميز به فحسب.. بل.. بسبب عدم قابليتها للإعراب. والإعراب يعني هنا التحديد والإبانة. قبل أن يعني حركات توضع فوق الحروف أو تحتها. يقول الدكتور عثمان أمين في كتابه"فلسفة اللغة العربية" (1) :

"الإعراب مطلب العقل في اللغة. ولذلك نرى أن الإعراب أرقى ما وصلت إليه اللغات في الإبانة والوضوح. وهذه المرتبة قد بلغتها العربية الفصحى، ولا يشاركها فيه من اللغات القديمة إلا اليونانية واللاتينية، ولا يشاركها فيه من اللغات الحية إلا الألمانية".

الإعراب كمال الإبانة

لقد أشار إلى ذلك ابن خلدون، فقال في مقدمته:"إن كلام العرب واسع. ولكل مقام عندهم مقال يختص به بعد كمال الإعراب والإبانة. ألا ترى أن قولهم:"زيد جاءني"مغاير لقولهم:"جاءني زيد"من قبل أن المتقدم منهما هو الأهم عند المتكلم" (2) .

ونظر المستشرق لويس ماسينيون إلى الإعراب نظرة تضفي عليه أهمية خاصة، فهو يقول:

"في حين أن السريانيّة قد نقلت"أجروميتها"- أي: قواعدها- عن اللغة اليونانية نقلًا حرفيًا، فإن لغة الضاد استطاعت أن تشيد بناءً ضخمًا من الإعراب، يضع أمام الأبصار مشهدًا فلسفيًا ذا روعةٍ وأصالة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت