ويمكن القول من جهة أخرى إن النفس هي ذلك العالم الصغير الذي نحدد به وجودنا من خلال اتحادنا بالعالم الكبير، وإن هذا لن يتم في رؤية التوحيدي إلا عبر المعرفة وميادينها لتحديد أنماط علاقة النفس بذاتها، فليست مقولة النفس إلا ذلك المساعد أو العلة المحركة لرغبة التوحيدي في تحقيق غاية الجمال، ذلك أن كل تجربة جمالية تصدر عن اهتمام الإنسان بذاته بما هي قيمة فنية، أو بما هي مشروع يتطلع إلى المعرفة، هذه المعرفة التي تصل بها النفس إلى حقيقة الكون ألا وهي الذات الإلهية، ومن ثمة تصبح المعرفة شرطًا لمعرفة الحقيقة، كما أنه لا حقيقة من دون معرفة الإنسان لنفسه بوصفها جوهرًا إلهيًا، وفي هذا يقول التوحيدي:"فمن أخلاق النفس الناطقة- إذا صفت- البحث عن الإنسان، ثم عن العالم، لأنه إذا عرف الإنسان فقد عرف العالم الصغير وإذا عرف العالم فقد عرف الإنسان الكبير، وإذا عرف العالمين عرف الإله الذي بوجوده وجد ما وجد وبقدرته ثبت ما ثبت، وبحكمته ترتب ما ترتب" (21) .