لعل استبعاد أولويات الروح من مهام الإنسان في دائرته المعرفية هو أن الروح في منظوره لا يتيح إمكان ترابط العلاقة بين الكون والذات الإلهية اللذين تتطلع إليهما النفس. وبمعنى آخر إن الروح -هنا- صفة مائزة بين الإنسان والحيوان، ولو كان كذلك لما كان هناك فرق ضمن النسق المعرفي بخاصة، وبترجيح ميزة النفس للإنسان يكون التوحيدي قد سن لها البحث عما يحيط بها إلى الوجود الحق الذي يتم به التسامي لمعرفة الخالق في إطار أهمية النفس على الروح، على اعتبار أن النفس تتيح النظر إلى الأشياء بطريقة متمايزة ومتجددة، بدافع معرفة الوجود الحق، وهي رؤية صادرة عن عقيدة دينية، تنحو منحى صوفيا، وعن رؤية عقلية وفلسفية خاضعة للإطار الثقافي للعصر الذي غلبت عليه الصفة اللاهوتية وللأسس الاجتماعية والمعيشية التي عاشها التوحيدي والتي طبعت حياته بطابع التصوف حينًا، وغلبت عليها الفكر والعقل أحيانًا أخرى فالترجح في موقف التوحيدي واضح بين ما يدعو إليه الفكر الفلسفي المثالي وبين ما يقرره الواقع المادي المعيش الذي تفرضه التجربة والممارسة الإنسانية فهو بعد أن يقرر أن المعرفة تعتمد على العقل والنفس يعود فيقرر أن هذه المعرفة لا بد لها من أن تنطلق من الحسيات التي هي معابر للعقليات. (23) .
فالأشياء في نظر التوحيدي موجودة في هذا العالم على ضربين، ضرب له الوجود الحق، وضرب له الوجود، ولكن ليس الوجود الحق، فالأمور الموجودة بالحق قد أعطت العافية نسبة من جهة الوجود وارتجعت منها حقيقة ذلك (24) .