فالآخر لم يعد كذلك عند أبي حيان التوحيدي الذي تميز بنظرته الثاقبة الصادرة عن عقيدته الدينية التي ميزت إدراك الجمال بصفات الله وأفعاله بوصفها المثل الأعلى في الحسن، وأن الأشياء كلها تستمد جمالها أو قبحها من تلك الصفات والأفعال" (26) على اعتبار أن هذه الأشياء هي ظل للأخرى وأن هذه السفليات منقادة إلى تلك العلويات:"والعلويات مستويات على السفليات بحق العدل وما هو مقتضاها، ولأن هذه فواعل، أعني العلويات وتلك قوابل أعني المنفعلات" (27) فالعودة إلى جوهر الحق لا تقتضي التسامي بين المادة والحقيقة ولا تجيز إحلال الأولى محل الثانية وفق بناء الوجود الذي يترتب فيه العلوي ثم بعدها السفلي المنقاد له بغرض اتخاذ سبيل الكشف المسخر لغاية الحقيقة، وأن معنى هذا هو اختلاف بين ما تصوره أفلاطون في رأيه النابع من صميم الجمال الكائن في عالم المثل، عالم ما وراء الطبيعة، وبين الرؤية الصوفية التي هدته إلى الإيمان، وأفرزت فيه نوعًا من التلقائية والاستجابة الوجدانية للوجود العلوي الذي ظل محكومًا بتصور عقائدي يرجح ميله إلى الكمال المخصوص بجوهر الحق على خلاف الوجود السفلي الذي يشوبه النقصان والزيف."
إن هذه النفس التي يريد التوحيدي تخليصها من المعرفة الحسية عليها أن تصادق الحقائق الجوهرية بنبذ الوسائط الدنيا الحاجزة للحقيقة، وهذه الحالة التي تعيشها النفس كشيء يتحرك نحو ما هو قار ومطلق إنما تهيئها للتصاعد في قدرتها على إيجاد درجات داخل سلسلة التجارب التي تباشرها، بحثًا عن الفيض المطلق بحيث تكون هذه الدرجات مرتبطة بعضها ببعض، لأن الكمال الأول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة (30) في عالم علوي يرحب بالنفوس العطشى إلى الحقيقة الهاربة من صرير الجهل.