وحيث كان حسن الخلق في مثاليته نابعًا من العقل فإن ذلك لا يعني إهمال الجانب الحسي بوصفه قيمة اجتماعية ترفع صاحبها إلى التعامل مع حسن الخلق فيما توجبه الأشياء المادية والعلاقات الاجتماعية ذلك أن هذا النوع من الجمال الحسي يعطي للذات تحققها الجمالي ومن هنا يتبين أن صفة الجمال -هنا- نسبية، لأنه ما من شيء مادي إلا ويستمد معياره الجمالي من تفاوت في مستويات تعاطي الحسن، معنى ذلك أن تشكل الجمال عبر الحواس من منظور التوحيدي وارد بما هي وسيط يتيح إمكان ترابط الأشياء ذات التفاعل الاجتماعي بالطبع الإنساني، ومن هنا تكون نسبة الحكم على الشيء في حسنه، بوصفه ممارسة فنية ونظامًا معرفيًا يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة.
هكذا -إذن- ليس الجمال معيارًا مطلقًا لقياس الحقيقة فقط، وإنما معيار الطبع الإنساني بتفاوته الإدراكي يحقق قيمته على نحو كل ما كان قبيحًا في وقت لا يجوز أن ينسب إلى العقل المجرد، وإلى أحكامه الأولية الأزلية. بل لا يقال فيه: إنه قبيح ولا حسن على الإطلاق وإنما ينسب إلى الطباع والعادات، ثم يقال قبيح بحسب كيت وكيت، وحسن وكذا وكذا مقيدًا غير مطلق، ولا منسوب إلى العقل المجرد. (30) .
فالعقل الإنساني موجود بالفعل وهو فائض عن عقل موجود بالقوة هو (الله) ومن ثمة يكون الإنسان قوة بعقله، والطريق إلى هذه القوة (الألوهية) يقتضي نفي الحس والشك وتقوية الشوق ومصاحبة اليقين والمعرفة والاعتراف، وبهذا تستكمل النفس شوقها إلى الأول، واستكمال شوقها"هو استدامتها لحالها، وثباتها على صورتها وطربها على ما حصل لها (32) ."
الهوامش:
1-من مثل الفلاسفة، فرق المعتزلة، الأشاعرة، المتصوفة.
2-شكري عياد: المذاهب الأدبية والنقدية، سلسلة عالم المعرفة ص219.
3-عبد العزيز الدسوقي: نحو علم جمال عربي (تصور وتطبيق) دراسة في مجلة عالم الفكر، المجلد التاسع، العدد الثاني سنة 1978 ص32.