يروي البيروني (363- 440هـ / 973- 1048م) إنه في يوم"فراورديجان"، وكان الناس يعدّون أطباق الطعام على شرف الموتى، ويديرون المشروبات، ويحرقون البخور وراء أبواب البيوت، على أمل أن تخرج أرواح موتاهم من أماكن إقامتها فتأتي إلى زيارتهم، في غضون هذه الأيام. ثم يصف أسعد لحظة في هذا العيد، وهي لحظة دخول الشمس برج الحمل.
إن ذكريات هذا الاعتقاد القديم، الذي ظل حيًّا في إيران في عيد رأس السنة، لا تدل على الشعبية العظيمة التي كانت مرتبطة بالفراواشي وحسب، وإنما على وجود إحدى ممارسات الاستبطان على مستوى العائلة أيضًا، بدون تمييز موقعها الاجتماعي. لنا مِلْء الحق أن نذهب إلى أن هذا الاعتقاد كان يشكل في الأصل نظيرًا للخوارانا المعروف فيما قبل المزدية، قبل أن يأخذ هذا مدى واسعًا ويفقد صفته الحصرية التي كانت تدعيها سلطة الملك المطلقة، وكانت مرحلة أولية تكشف عن نوع من الجمود الفكري في إيران.
غني عن البيان أن هذه الصيغة التصوفية ليست مستقلة عن مفهوم ديني يقوم على ثنائية النور والظلمة التي هي من خواص إيران القديمة. بادئ ذي بدء، هذا المبدأ الشفعي، الكوني والنفسي في ذات الوقت، ليس وقفًا على أي ديانة أو ثقافة. لكن الأساس هو تنظيم وتشييد هذه الثنائية من النور والظلمة في إيران القديمة.
هذه الأصالة ترجع بالأحرى إلى الجانب الميتافيزيقي من المزدية الذي يقوم في أساس هندسة معمارية وموازييك من الأساطير الإلهية، التي تُسْتَأرخ أحيانًا في المستوى البشري. وبما أن الجانب المجازي في الألوهية العليا يرتد إلى نور يشيع في كل مكان وينير كل شيء، لا يمكن الروحانية المؤسسة على هذا النور، بطبيعة الحال، أن تنتسب إلى مفهوم لا يتمحور حول النور في كل أشكاله وصوره الحسية المتكاثرة.