فهرس الكتاب

الصفحة 15386 من 23694

لنبيّن على وجه الخصوص أن جميع هذه الإشارات إلى المعرفة والنشوة لا ترتد، على نحو مؤكد، إلى معنى تفاني (تصوفي أو نفسي) . على الرغم من أن المعرفة في التصوف الإسلامي تدل على درجة فائقة من الشريعة وتتيح افتتانًا وانتشاء قلبيًا، إلا أن النصوص المزدية ليست محددة حول هذا الموضوع: فهي تتعلق، في المحل الأول، بـ"العلم"Savoir و"الرضا"contentement بالمعنى العام؛ لكن تفسيرًا صوفيًا لهاتين الكلمتين ليست مستبعدًا كليًا، إذا أخذنا بالاعتبار سياق النص. وتتضح هذه المناقشات بصورة أكثر تحديدًا وأكثر أهمية عندما تتعلق المسألة بأمراض النفس في تطورها أثناء المعرفة والفضيلة، إنما تأتي من هذين العاملين الدروجيين (اللذين يرجعان إلى شيطان الكذب) ، وهما الإفراط والتفريط. التمجيد الذاتي الذي يأتي من الغلوّ أو الغرورالذي يجعل المرء يقول في نفسه:"أنا عالم أنني الأعلى وأنني فوق"والدونية التي تأتي من النقص (التفريط) ، وهي التي تجعل المرء يقول في نفسه:"الآخر لا يعلم أنني دون هذا وأنني تحت."ومن كانت نفسه قد فسدت بهذين العاملين الدروجيين، كان مرضه الدائم أن يقايس نفسه بمن هو فوقه معرفة وفضلًا وفكرًا:"أنا أعلم وهو لا يعلم، أنا أعلى منه وأنا فوقه، هو أدنى مني وهو دوني."هاتان العلتان اللتان تصيبان النفس، تمجيد الذات واحتقارها، تمنعان من يعاني منهما من التواضع الذي يؤهله لكي يتعلم من أي شخص كان وأن يتلقى من أي كان زيادة في المعرفة والفضيلة. وعلاج هاتين العلّتين النية التامة والنية المعتدلة، والثانية تولد من الأولى. والنية المعتدلة ترى نفسها والآخرين في نظرة أوحت بها النية التامة... وطريق التواضع هو التعلم من الأدنى الذي لا يعلم، وعندئذٍ يعلم مالا يُعلَم: تخلص النفس من علتي احتقار ذاتها ومن تعظيم ذاتها وتتلقى زيادة المعرفة والفضيلة (دنكارت، الكتاب 3، فصل 104، ص106) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت