لاشك أن جميع هذه الفرق الهامشية، الأتقياء الأوائل والصوفية والفتوات (جمعيات أخوية ذات خصائص فروسية يرتبط أتباعها فيما بينهم بميثاق شرف) ، كانوا يجنّدون لدى الصناع وأبناء المدن الكبيرة والقرى الذين بحكم مزاجهم وحساسيتهم لديهم نزوع إلى التقوى؛ كانت تحدوهم رغبة في الحفاظ على نقاء الإسلام المؤسس على تعليم القرآن. لقد كانوا ينهلون من خبرة اجتماعية أمدّهم بها عصر الجهالة والطغيان فيما قبل الإسلام وكانوا يريدون، وحُق لهم في ذلك، ألاَّ تتكرر الآلام والمآسي البشرية في ظل حكم الأمويين، المولعين بالسلطة. لقد كان هؤلاء في نظر الكثيرين غير متلاءمين مع رسالة الإسلام التحريرية التي جاءت لإنقاذ الشعوب الخاضعة للعبودية والاضطهاد من قبل قادتهم. على الرغم من أن الحركات الانشقاقية في الحقبة الساسانية، الممتلئة بروح الشعب، إذ نالت منافع جمة من المظاهر الشعبية للمزدية. وتخلت عن البنى الأرستقراطية والمحافظة، كانت لم تزل غير معروفة تمامًا، إلا أنها سادت جنبًا إلى جنب مع روحانية ألفيّة، قائمة بكل تأكيد على أساس النور والصراع بين الخير والشر، وشدّت من أزرها.
لقد حان الوقت للفصل فصلًا شديدًا بين العنصرين اللذين يؤلفان حضارة قديمة، مؤسسة على المزدية في قسم كبير منها. فهذه، إذ أخذت تتلاشى شيئًا فشيئًا، نتيجة لفقدانها قيمها ترضي العقول المتحررة من الأساطير والأبّهة الكرنفالية التي كانت سمة الملوك المستوثنين.