فهرس الكتاب

الصفحة 15431 من 23694

ونلاحظ كيف اختلفت أحداث القصة باختلاف مصدرها، ولكنّ ابن السرّاج -كما ذكرنا- يذكر الروايتين من دون أن يقول شيئًا، وكأنه لم ينتبه إلى ذلك، وكان من الممكن أن نرجع هذا الأمر إلى سهو منه، لسبب من الأسباب، لولا أنه كان يأتي في بعض الأحيان براويتين متتاليتين متشابهتين للقصة الواحدة، وهذا ما يجعل من تفسير التكرار بالسهو، أو ما يشبه، أمرًا غير مقبول. ابن السرّاج كان يلاحظ هذا التشابه، وكان يلاحظ أيضًا، كيف أن القصة تختلف أحداثها، وقد تتناقض أحيانًا، عندما تأتي من مصدرين مختلفين، ولكنه لم يكن يريد أن يقول في ذلك شيئًا مكتوبًا، ولم يكن هذا من أهداف كتابه، لقد أراد أن يضع بين يدي المتلقي كل ما سمعه، ليختار المتلقي منه ما يحب. ابن السراج كان يدرك أن هذه القصص، مجرد قصص، فيها من الخيال أكثر مما فيها من الحقيقة، ولا عجب، إذن، أن يموت المجنون بهذه الطريقة. ولا شيء أقرب إلى العاشق من الموت في قصص أصحاب الحب العفيف التي يرويها كتاب مصارع العشاق، فقد روى طائفة من هذه القصص، يبدو الموت فيها تتويجًا لحالة الحب الصادق، وذروة من ذراه، على العاشق أن يصل إليها ليتخلص من عالم الحس، ويتطهر من غرائزه وآثامه، الموت في هذه القصص يبدو الشاهد الوحيد على عظمة الحب وصدقه. ولذلك تطالعنا قصص يشهق العاشق فيها شهقة ويموت على الفور عند تذكر محبوبته أو سماع اسمها، وقصص يموت فيها العاشق عند ارتحال قوم محبوبته وغيابهم عن عينيه، أو عند سماع نبأ موتها. أو يموت واقفًا على قبرها، ساكنًا على فراقها، إذا سبقته إلى الموت. وقد تتزوج رجلًا غيره، بالإكراه فيموت حزنًا وكمدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت