فهرس الكتاب

الصفحة 15432 من 23694

والموت في الحب ليس وقفًا على الرجال، أو قدرًا من أقدارهم وحدهم، فللنساء المخلصات نصيب فيه أيضًا، ففي بعض القصص يموت الزوج المحب فتموت زوجته حزنًا عليه ووجدًا أو يموت الحبيب فتقف المحبوبة على قبره وتموت حزنًا، أو تضطرم بقلبها نيران هوى لا تستطيع أن تبوح به فتموت هيامًا ووجدًا. ولكن الموت في الحب يختلف كثيرًا عن الموت في غيره. إذ أنه لا يعني انقطاعًا بين المتحابين، بل يمثل حالة فريدة من النقاء الروحي، تؤهل أرواح المحبين الذين أضناهم البعد للتمازج، وتمكنهم من ديمومة اللقاء. وكان ابن السراج قد أورد حديثًا نبويًا يجعل قتيل العشق شهيدًا، ولم تكن هذه إشارة عابرة -بغض النظر عن قبول الحديث أو رفضه- بل للتأكيد على أن شهداء الحب الطاهر كالشهداء في سبيل الله، أحياء عند ربهم يرزقون، ففي موتهم حياة دائمة، وابن السراج يروي قصة أكثر إفصاحًا عن ذلك، قصة عن رجل من ولد سعيد بن العاص عشق جارية مغنية بالمدينة، فهام بها دهرًا وهو لا يعلمها بذلك، ثم أخبرها، وفشا خبرهما، فبلغ عمر بن عبد العزيز، وهو أمير المدينة، فابتاعها له وأهداها إليه، فمكثت عنده سنة ثم ماتت، ولم يلبث أن مات كمدًا عليها (فقال أبو السائب المخزومي: حمزة سيد الشهداء، وهذا سيد العشاق، فامضوا بنا حتى ننحر على قبره سبعين نحرة، كما كبَّر النبّي صلى الله عليه وآله وسلم، على قبر حمزة، رضي الله عنه، سبعين تكبيرة. وبلغ أبا حازم الخبر، فقال: ما من محب في الله يبلغ هذا إلاّ وليّ"(27) ونلاحظ كيف أن الرواية تستثمر الطاقة الإيحائية التي يحملها اسم حمزة (ر) في نفوس المسلمين، والتي تحملها، أيضًا، طريقة استشهاده ولا سيما أن الرسول الكريم e كان قد أخبر بدخول حمزة الجنة من ساعة استشهاده."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت