فهرس الكتاب
وكنا نأمل أن نجد لابن السراج رأيًا فيما رواه، ولا سيما أن قصصه تتعلق بموضوع الحب، وهو موضوع واسع ومغرٍ، قال فيه أسلافه ومعاصروه، غير أن شخصيته تغيب تمامًا عن كتابه. إنه يضع أمامنا هذه الروايات الكثيرة ويمضي، ولا يقول شيئًا، ولو موجزًا أو مقتضبًا. ولعله كان، بعمله هذا، يعبر عن رأيه في أن الحب يسمو على التعريف ويستعصي على الفهم. ابن السراج لم يدفعه الحماس إلى الانصراف، كغيره، إلى تحديد ظاهرة الحب وتقويمها أو إلى البحث في نشوئها وتطورها، ولم يتعب نفسه بتعقب المحبين للإشارة إلى مواضع التشابه والاختلاف بينهم. لقد بدا وكأنه يحاول رصد الظاهرة ليترك للآخرين محاولة تحديدها إن استطاعوا. كان يعلم أن فيما يرويه كثيرًا من الخيال، وأن بعض ما يرويه أساطير من اختلاق الخيال، ولكنه كان يعلم، أيضًا، أن ما جاء به هو ما يرويه الناس، وما يؤمن به كثيرون منهم، بمعنى آخر، هو صورة عن فهم كثير من الناس للحب. وقد يبدو فهمًا غريبًا، ولكن بعضنا، اليوم، يؤمن بما هو أكثر غرابة منه.
بعض الدارسين ينظرون إلى قصص مصارع العشاق، وما شابهها، على أنها ذات طابع خرافي انحرافي (ينظر إلى الحب كعاطفة غامضة، غريبة، الأطوار، مستعصية على الفهم، مجرد بلاء من الله، يصيب به أصحاب القلوب الشفيفة، أو العقول المصابة بالخبل..) (50) .