فهرس الكتاب
وإذا كان من المناسب لبعض الأوساط أن تبدو الأمور كما لو أن ابن رشد وتوما الإكويني يمثلان اتجاه التوفيق بين الوحي والعقل، كما لو أن ابن رشد ليس سوى خطوة على الطريق الموصل إلى فلسفة توما الإكويني التركيب الأعلى لكل فلسفة لاهوتية.
لقد أثر هذا الاتجاه اللاهوتي في تفسير فلسفة ابن رشد على بعض الدراسات العربية التي سعت لأن تكون استمرارًا لتلك الجهود الاستشراقية التي تحرص على تحويل فلسفة ابن رشد إلى قوى محافظة وتشديده من حماسته التنويرية. قاطعًا بذلك أية صلة بين مطالب الرشدية ومطالب التقدم العربي الراهن.
يقول ابن رشد في تلخيصه لما بعد الطبيعة (ويشبه أن يكون مبدأ الأشياء الطبيعية الأقصى التصور العقلي) وإلا فمن أين عرض لها أن تكون في طبيعتها مستعدة لأن نتعقلها.
لقد تبنى ابن رشد هنا الحجة المثالية في تأسيس العلم، وقال بوجود صور عقلية تفسيرًا لعملية التعقل الجوهر الطبيعي المحسوس، لكنه كشف عن انحيازه التام إلى أرسطو حين قال: (يعطى المحسوس الصور الجوهرية التي بها يكون معقولًا بالقوة) هذه اللحظة الأساسية المثالية في فلسفة ابن رشد والتي لا يقرّ بها الكثيرون يمكن أن تفسّر بصعوبة الموضوع التاريخية والابستمولوجية في تأسيس العلم الطبيعي، وبفهم نواميس الاجتماع الإنساني، وهذا يكشف عن فهمه الخاص لعلاقة الله بالعالم.
فالمحرك الأول أو الله هو أسمى العقول المفارقة، وحيث يكون العقل والمعقول وفعل التعقل أمرًا واحدًا، نجد الأساس العقلي الذي يقيم عليه ابن رشد وحدة العالم وترابطه الداخلي، إذ تدل عبارات الحركة المستمرة والضرورة الطبيعية والنظام العقلي على معنى واحد، فحقيقة المبدأ الأول التي هي تحريكه للعالم تعني كونه وحدة العالم، ومما يضعف الثنائية والمثالية في فلسفته عدم فصله بين علم الطبيعة وعلم ما بعد الطبيعة، ومطالبته العلم الطبيعي أن يقدم دليلًا ميتافيزيقيًا على وجود المبدأ الأول.