فهرس الكتاب

الصفحة 15575 من 23694

وتوما الإكويني ينوه بأن ابن رشد يخلط بين القدرة على التحرك، وهي إمكانية سلبية للمادة، والقدرة على الوجود وهي تعني وجود الصورة الروحي الخالص. وهنا نتبين التعارض الكبير بين الاكويني وابن رشد الذي رفض ثنائية الوجود الإلهي الساكن والوجود الطبيعي المتحرك وقال متابعًا غلاة المنزهين من المعتزلة (الله تعالى ليس بساكن ولا متحرك) ، كما رفض الفصل الواقعي بين الوجود الطبيعي المتحرك والوجود العقلي المحرك وقال (إن مبادئ العلمين الطبيعة وما بعد الطبيعة مختلفة بجهة فقط لا بالوجود) ، ولن يوحد ابن رشد بين المبدأ الصوري والغائي والمحرك فحسب، بل يعتبر المادة مشتملة بذاتها بالقوة على صورة وعلى علّة الحركة، وهكذا لم يفسر الحركة هنا بمبدأ مفارق للوجود الطبيعي أو بمبدأ يرد إلى المادة من خارجها، فوضعنا بهذا أمام مسألة عويصة، وهي التوفيق بين انطواء الماء على علة الحركة من جهة والقول بأن العقول المفارقة هي مبدأ الحركة من جهة أخرى.

إن هذا الاتجاه الرشدي يضع وإن في قوالب الثنائية الأرسطية أسس تصور توحيدي ديناميكي طبيعي للوجود، ولذلك كانت الحركة أهم مقولة في فلسفته، ثم إن نسب ابن رشد الصفات إلى الله والعالم باشتراك الاسم من جهة وقوله الصريح من جهة أخرى إن المبدأ الأول هو الموجودات، كل هذا يدعونا إلى تأويل لغة ابن رشد تأويلًا يتفق مع نزوعه إلى توحيد الوجود.

إن الإضعاف للثنائية يعطي اللحظة المثالية في نسقه الفلسفي ونتائجه الأخيرة معنى ضيقًا ويفقدها الكثير من الأهمية التي يمكن أن ترتديها في فلسفة أخرى أرسطية المصادر.

ولهذا تكتسب متابعة ابن رشد جهده لتحديد طبيعة الله وطبيعة العالم عبر الوقوف على التعارض بين صنع الثنائية والنزوع التوحيدي دلالة خاصة. فهل اكتفى ابن رشد بالقول بأن المبدأ العقلي يحرك العالم؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت