فهرس الكتاب
ومن اليسير أن نتبين هنا أن التشكيك للتقديم والتأخير هو الذي يقال على وجود المقولات العشر، ويختلف عن تشكيك التناسب الذي يعلقه توما الإكويني على هذه الصفات وقد بين ابن رشد بصراحة أن الصفات تقال على الإنسان والله باشتراك الاسم أي بتنزيه المطلق، وعندما ينسب المرء إلى ابن رشد القول بأن الصفات تنسب إلى الله والإنسان بتشكيك كما يقول توما الإكويني فإنه لا يفعل في الحقيقة سوى أن يقرأ بالنصوص الرشدية معاني تومائية غريبة عنها، وذلك السعي منه إلى تكريس ابن رشد فيلسوفًا لاهوتيًا على غرار ما فعل بعض المستشرقين.
ومسألة قدم العالم هي أهم وجه عند ابن رشد لتحديد علاقة الله بالعالم، كما أنها نتيجة طبيعية لإيغاله في إسناد الصفات إلى الله والإنسان باشتراك الاسم، والواقع أن القول باشتراك الاسم كانت له عند ابن رشد نتائج خطيرة أخرى تتمثل في استبعاد كل تأثير فائق للطبيعة على العالم والإقرار بوجود فواعل طبيعية يؤثر بعضها في البعض والبحث عن مبادئ العالم وقواه ومحركاته فيه وإرجاع التعالي والثنائية إلى فرق منطقي ليس إلا، وقد تجلى هذا الاتجاه الحاسم في فلسفته ونهجه الفكري القائم على الانتقال من إدراك الأمور عندنا إلى أدراك الأمور الأعرف عند الطبيعة. وهذا هو النهج الذي أدى في النهاية إلى إلغاء المباينة بين الله والعالم.
لقد اختط ابن رشد منهجه المتميز في تعيين هذا التوجه فبالاعتماد على اشتراك الاسم يبين أن ما يسميه الشرع خلقًا أو اختراعًا إنما هو إعطاء المبدأ الأول جميع الموجودات معناها. يقول ابن رشد:"المبادئ المفارقة وجودها مرتبط بالمبدأ الأول، ولولا ذلك لم يكن ها هنا نظام الوجود، إن الارتباط الذي بينها هو الذي يوجب كونها معلولة بعضها عن بعض وجميعها عن المبدأ الأول".