فهرس الكتاب

الصفحة 15582 من 23694

وينتقل ابن رشد من قوله إن علم الأول هو الفاعل للموجودات، إلى تقرير كون علمه لذاته هو علمه للموجودات، وإن علمه هو الموجودات، وأخيرًا إن الأول هو الموجودات.

وإذا كان ابن رشد قد نسب العلم والفعل والتحريك والخلق إلى المبدأ الأول بمعنى ارتباط الموجودات به، فيحق لنا أن نتساءل عن طبيعة هذا الارتباط وعن التحديد الأدق لطبيعة العلم الإلهي. وإذا كان نظام الموجودات يلتقي بنا بحركة استدلالية إلى إقرار المبدأ الأول هو غيرها فإن ابن رشد لم يذهب إلى حد تأكيد استقلال هذا المبدأ الأول استقلالًا ذاتيًا عن العالم، بحيث يكون هذا العالم إحدى إمكانيات الإبداع الإلهي الحر. فليست الحركة الاستدلالية من هذا العالم إلى مبدئه أشد اتصافًا بالضرورة من الانتقال المعاكس من المبدأ الأول إلى هذا العالم، إذ ليس بين ذاته والموجودات فاصل تقوم في فسحته ثنائية الوجوب والإمكان أو الماهية والوجود، فيفقد معها هذا العالم ضرورته.

وإذا كان علم الله علمًا واحدًا لا يتعدد وليس له أية حياة ذاتية مغلقة أو كيان منقطع عن العالم، فلم يبقَ إلا أن يكون هذا العلم نظام العالم نفسه، وبذاته المغايرة بين الوجود والعلم أصبح يصح له القول إن وجود الأول- العلم هو وجود الموجودات وذلك بعد أن قرر أن عقله ذاته هو عقله الموجودات.

والواقع أن ابن رشد يبذل هنا جهدًا كبيرًا لتعيين نمط من الوجود ليس هو وجود للوقائع الطبيعية، بل وجود القوة التي تتحكم بهذه الوقائع. أي وجود الأحكام والقوانين. وهنا بالذات نجد مغنى العقل، إن العلم الإلهي هو القوة السارية في كل الوجود، إنه ما في العالم من دينامية ومحركة وقوة توحيد وإطراد قانوني شامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت