فهرس الكتاب

الصفحة 15583 من 23694

يقرر ابن رشد أن العلم والعقل لا يتعلق إلا بالموجودات التي نعقلها نحن، وأنه لا ينفك عنها، وأن تعلقه بها أشرف من تعلق علمنا بها، ويضيف إن الباري سبحانه وتعالى هو الموجودات كلها، وهو المنعم بها والفاعل بها. ولذلك قال رؤساء الصوفية: لا هو إلا هو. ولكن هذا كله من علم الراسخين في العلم، ولا يجب أن يكتب هذا، وأن يكلف الناس اعتقاد هذا.

وينتهي ابن رشد إلى القول بأن الله ذاته هو الموجودات فينقلنا بهذه الصياغة الصغيرة الصريحة إلى تصور إلى الوجود قريب من تصور وحدة الوجود الصوفية.

إلا أننا نجد أنه ينوه بأن الصوفية يخطئون هدفهم لأنهم لا يتوسلون إليه بمعرفة العلوم النظرية، وهذا الاتجاه التوحيدي هو أساس تحديد علاقة الله بالإنسان.

لقد رأينا أن العقل الأول لا يشبه عقلنا من أية جهة، فهو علة الموجودات، ولا ينفك عنها وهو لا يتعقل عالمًا آخر ممكنًا. ولا يتعقل أي ممكن لا يتحقق باعتباره علمًا، وإذ نخطو خطوة ثانية فنوحد بين الله والموجودات تغدو ذات الله-كما يقال- هي جميع العقول وجميع الموجودات، وهذا التعادل بين ذاته وعلمه والموجودات يقوم على أساس عقلاني موضوعي لا تبرز فيه إلا المقدمة، لا الصلة الشخصية بين الله والأفراد ولا تصور المبدأ الأول بوصفه شخصًا.

إن الأول لم يظل عند ابن رشد غريبًا عن العالم، إنه مختلف عنه إذا نظرنا إليه من ناحية الأمور التي هي أعرف عندنا، وغير مختلف عنه إذا استطعنا بجهد عقلي أن ننظر إليه من ناحية الأمور التي هي أعرف عند الطبيعة. غير أن استخدام ابن رشد للغة الأرسطية هو الذي يدعونا إلى تأويل بعض صياغاته في تحديد علاقة الله بالعالم. وهذا يثير بعض الإشكالات والصعوبات وإن كان للأمر، فتصور ابن رشد بعلاقة الله بالعالم يختلف جذريًا عن تصور الإكويني لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت