فهرس الكتاب
لم يلاحظ تأثير يذكر في الشرق للرشدية، خلال فترة طويلة، إذ كان الشرق يسير منذ القرن السادس عشر في طريق الجمود والانحدار والتخلف، وكان هذا الوضع متفقًا مع التوجه إلى التصوف في المجال الشرقي. وجدت الرشدية أول اهتمام بها في عصر النهضة العربية الحديثة عند الشيخ (محمد عبده) الذي كتب عام 1902 يقول: (ابن رشد رحمه الله لم يخرج في رأيه عن المليين، بل مذهبه مذهب إلهي قاعدته العلم) ، وفي عام 1903 قال (فرح أنطون) متأثرًا بـ أرنست رينان الشهير بكتابه (ابن رشد والرشدية) قال: (مذهب ابن رشد مادي، وقاعدته العلم.) إلا أن تبني بعض الفئات الأوربية، في فترة التمهيد لعصر النهضة في القرن الثالث عشر والرابع عشر، الرشدية تحت اسم الرشدية اللاتينية فقد كشف عن أبعاد تاريخية التي فسرت ابن رشد في أوربا وتجلياتها المتتالية على صعيد تطور الفكر الأوربي.
فما هو الدور الذي قيّد للرشدية أن تؤديه في ولادة العصر الحديث؟.
في الشرق لم تترك الرشدية أثرًا يذكر، وقد مرّت الرشدية مرورًا غير ملحوظ كما يقول الباحث (هنري كوربان) ، ولذلك فإن الشرق الواقف على منحدر الجمود والانحدار والتخلف قد خضع فترة طويلة لحركات التصوف الغنوصية التي كان لكل من ابن سينا في حكمته، والسهرودي القتيل رائد الحركة الإشراقية الأول، ولابن عربي الداعية الأكبر لحركة وحدة الوجود الصوفية، وعمومًا الاستشراق والحكمة الإلهية المتعالية دور كبير في تحوّل حركات التصوف هذه إلى حالة مهيمنة على الحياة الروحية في الشرق على يد مفكرين أمثال الشهرزوري ونجم الدين الرازي وعبد الرزاق القاشاني وداود القيصري وبشكل خاص صدر الدين الشيرازي المفكر السنيوي الكبير.