فهرس الكتاب

الصفحة 15586 من 23694

وكانت الأفكار الأساسية التي صدرت في هذا الجو المتصوف الإشراقي تتلخص في التأكيد على الاتفاق التام بين الفلسفة والعقيدة الدينية، وتأويل الفلسفة على نحو يتفق مع المناخ المتصوف المهيمن. والقول بأن الحكماء أو الفلاسفة تسلموا أنوار الحكمة من مشكاة النبوة، وأن من زهد في الدنيا وانقطع عن العالم أسكن الله الحكمة في قلبه وأنطق بها لسانه، وبترك الأمور الدنيوية وطلب الكمالات الأخروية يشرق نور العالم الإلهي عليه، إلا أن فلسفة ابن رشد وجدت في أوربا استمرارًا لها وتطورًا على يد ما عرف باسم الرشدية اللاتينية التي تحولت إلى رشدية سياسية فيما بعد ولعبت دورًا مهمًا في تطور النهضة الأوربية.

تعود الرشدية اللاتينية في أصولها إلى الترجمات اللاتينية لشروح ابن رشد على أرسطو وما تتضمن هذه الترجمة من أفكار يمكن أن تؤدي إلى زعزعة هيمنة الكنيسة.

فقد نزل مثلًا ميخائيل الاسكتلندي في بلاط الملك والإمبراطور فريدريك الثاني في باليرمو بصقلية وقام بترجمة العديد من مؤلفات ابن رشد إلى اللاتينية وكان ذلك بين

عام 1217 وعام 1230. في هذه الفترة تمت ترجمة كتب كثيرة لابن رشد على يد ميخائيل الاسكتلندي.

وما كان بوسع الرشدية اللاتينية أن تظهر بوصفها حركة فكرية معارضة لهيمنة الكنيسة والمجتمع القديم لو لم تستجب لمطالب توديع العالم القديم القروسطي الإقطاعي والتهيؤ الفكري لاستقبال العالم الحديث وحاجاته.

لقد كانت الرشدية اللاتينية حركة تغيير جذرية خائضة في السجال الفكري الناشب بين ممثلي الكنيسة والإيديولوجيا المسيحية المهيمنة... وصعود البرجوازية التي أخذت تتكون كقوة اجتماعية متزايدة الأهمية من جهة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت