فهرس الكتاب
(جاء في مناهج الأدلة أن المقصود الأول بالعلم في حقل الجمهور هو العمل، فما كان أنفع بالعمل فهو أجدر، أما المقصود بالعلم في حقل العلماء فهو الأمران جميعًا أعني العلم والعمل) ولا يوافق ابن رشد على التأويل في مبادئ الشريعة، إذ يقول في تفسير ما بعد الطبيعة إن مبادئها هي أمور إلهية تفوق العقول البشرية، وإذا كان العلم الحق عنده هو معرفة الله وسائر الموجودات والعمل الحق أو العمل الفعلي هو معرفة أفعال السعادة والشقاوة أي علم الآخر والزاد الفعلي والإيمان وما يتضمنه هذا العلم من طرق التصديق الخطابية والجدلية، فإن التأويل التوفيقي بين الحكمة والشريعة يغدو مطلوبًا. لأنه يستجيب للمطالب الراهنة ويقتضي إخضاع طرق التصديق الخطابية والجدلية للطريقة البرهانية مشترطًا على هذا النحو وحدة الحقيقة، ومع ذلك يبدو أن الحق بالنسبة إلى الجمهور هو الشريعة عملًا وعلمًا وهو بالنسبة إلى الفلاسفة والحكماء الحكمة علمًا وعملًا مما يومئ وإن بصورة غير مباشرة إلى أن هناك حقيقتين لاحقيقة واحدة، وهذا معنى قول (غوتيه) : إن ابن رشد عقلي مع أهل النظر وغير عقلي مع الجمهور.
ويقول ابن رشد في القسم الأخير من كتاب (فصل المقال) : إن الأمر الغالب دعا الجمهور من معرفة الله إلى طريق وسط، ارتفع عن حضيض المقلدين، وانحط عن تشغيب المتكلمين، ونبه الخواص إلى وجوب النظر التام في أصل العقيدة، إذًا نحن أمام أربع مراتب: التقليد، الطريق الوسط، تشغيب المتكلمين، نظر الخواص البرهاني.