فهرس الكتاب
والمطلوب عند ابن رشد الارتفاع عن التقليد والقضاء على التشغيب فلا يبقى سوى سلوك الطريق الوسط للجمهور، والنظر العقلي البرهاني للحكماء. تلك هي الأفكار الأساسية الرشدية التي تمس إلى حد ما فكرة الحقيقة المزدوجة، حقيقة العقل وحقيقة الإيمان التي اتهمت بها الرشدية اللاتينية وتحولت إلى أداة لاضطهاد الكنيسة لمعارضيها. ولا نعلم تمامًا ما إذا لم تكن فكرة الحقيقة المزدوجة تمثل حاجة الكنيسة لتوجيه التهمة لخصومها في فترة نهوض فكري واسع.
كان ممثل الرشدية اللاتينية الأول (سينجر دوبرابون) الذي ولد على الأغلب في عام 1240 وتوفي قتلًا في سجنه بين سنة 1281- 1284، أنجز سينجر أغلب أعماله ما بين المرسوم التحريمي الأول 1270، والمرسوم التحريمي الثاني 1277، ويبدو أنه غادر باريس هربًا ولكنه وقع في أيدي رجال البابا وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، وقضى آخر فترة من حياته في (أورفيتو) المقر الصيفي للبابا (بارتييه الرابع) حيث قتل على يد راهب قيل إنه مجنون.
قدم سيجر إلى باريس عام 1266 حيث ظهر اسمه لأول مرة. وكان يمثل أرسطية قلقة دون اهتمام باللاهوت، وحين ألف توما الإكويني كتابه (وحدة العقل ضد الرشديين) ردّ عليه سيجر بكتابه الصغير (مسائل النفس الناطقة) ويعد (مانتونييه) المناظرة والسجال بين سيجر البارابنتي وتوما الإكويني الحالة الثقافية الأهم في القرن الثالث عشر.