فهرس الكتاب
بدأ سيجر التدريس في جامعة باريس وقام مع زميله (بوتيوس الداقياني) بنشر ما يسمى الهرطقة الرشدية في الوسط الجامعي، وتتلخص أفكاره في أن لكل البشر عقلًا مشتركًا واحدًا، وقد يكون مكونًا على نحو مختلف في كل مرة، وهذا العقل متحد بالمادة التي لها الأولية، وهو محدد بصورة تامة، والنفوس فانية والعالم قديم وقابل للمعرفة، ورفض سيجر فكرة الوجود عالم آخر، وأعلن أن العالم والبشر يتطوران دون تدخل إلهي. ولا يقدم لنا اللاهوت أية معرفة، وقد أعرب عن انتقاده بأن الصلاة غير لازمة والكهنوت نافد، وبالرغم من أن توما الإكويني قد أُمِرَ بالذهاب إلى باريس لمناهضة سيجر، فقد توسع تأثير هذا الأخير واتخذ أشكالًا أكثر جذرية.
وألف سيجر كتابًا بيّن فيه أن اللاهوتي الكبير (ألبرت الأكبر) والقديس توما الإكويني يفسران أرسطو تفسيرًا خاطئًا، وثمة اعتراف بأنه كانت لسيجر الغلبة في مواجهته لتوما الإكويني الذي لم يستطع التعبير عما يريد قوله بلغة المفاهيم الأرسطية، وحتى (أيتيين جونسون) يشير إلى غلبة سيجر وظفره في مساجلاته مع الإكويني، ويرجع هذا الأمر لسوء فهم لغة أرسطو ومفاهيمه في ذلك الزمن. لكن الخلاف لم يكن معرفيًا فحسب، بل بلور مصالح اجتماعية ومثلًا عليا مختلفة، ولقد تأثر بوتيوس الداقياني بـ سيجر البارابانتي وآرائه الفلسفية والسياسية، واستطاعت الكنيسة بتوجيه تهمة الحقيقة المزدوجة إلى الرشدية اللاتينية التي كان يمثلها على الخصوص سيجر القضاء على كل ما يدور في خلده تحقيقه: الخلاص أو حتى العيش بدون وساطة الكنيسة.