فهرس الكتاب
ولم يكن المقصود من موقف الكنيسة العنيف دحض فكرة الحقيقة المزدوجة كمسألة نظرية بقدر ما كان يعني تعزيز دور الكنيسة في حياة المؤمنين، وفي المصير والخلاص، فالمسألة الأساسية هي مسألة اتباع أسلوب في ممارسة الحياة يضمن الخلاص والتحرر، وهنا يتجلى بشكل رئيسي الفرق بين ما قدمته القومائية وما قدمته الرشدية المطورة، وبهذا المجال يمكننا القول بأن المسألة الأساسية تدور على دور الكنيسة والوساطة الكهنوتية الدينية في تحقيق الخلاص بممارسة الحياة تفضي إلى تحقيق غاية تتخطى الحياة الأرضية وتضمن السعادة الأخروية، أي بعبارة أدق تحديد دور العقل وقواه والفرد الإنساني في تحقيق الاتصال بين الإنسان والعالم العلوي، أو بجملة أحدث وأقل تغييبًا تحديد العلاقة بين وجود الإنسان وماهيته.
إن الانتقال من ابن رشد إلى الرشدية اللاتينية فالرشدية السياسية يعكس ثلاث مراحل في تطور الفكر، لم يكن لابن رشد بذاته دور إلا في المرحلة الأولى، وهذا الانتقال يعني تحرر الإنسان بقواه الخاصة على هذه المراحل الثلاث التي تعبر عنها التحولات في الحياة الفكرية المتطورة، بحيث تبلغ في النهاية مرحلة تأسيس نظري للدوافع الحيوية السياسية، وتحقيق غاية النشاط السياسي والعلمي، أي التحرر الإنساني الدنيوي أو تأمين شروط حياة واقعية تضمن بلوغ وجود البلوغ الإنساني ماهيته الفعلية، أو تضمن إنشاء الأفراد نمطًا من التنظيم الاجتماعي أو الحياة الاجتماعية المناسبة التي تتفق مع الغايات التي رسموها كمعنى لحياتهم، ولم يكن طرح مسألة الحقيقة المزدوجة سوى مظهر خارجي يخفي وراءه دور الكنيسة وقدرتها على البت في مصائر المصير الإنساني أو دور وحدة العقل في تحقيق الحرية والسعادة الواقعية، وذلك بعقد الصلة بين وجود الإنسان وماهيته وكماله بوسائل لا دخل للكنيسة فيها.