فهرس الكتاب
فابن سينا يعد الصورة مبدأ الفروانية ويتابع حكمته المشرقية في عالم يخلو من المؤسسة الدينية التي تكفل كما في المسيحية تحقيق السعادة والخلاص، ويتابع ابن سينا حكمته المشرقية بسلوك طريق التصوف الذي يضمن اتحاد الفرد بقوى علوية روحية، يصبح معها درب الخلاص الروحي والسعادة مفتوحًا لا بالاعتماد مؤسسة الشريعة، بل بالاعتماد الذاتي الفردي على التأويل والغوص من الظاهر إلى الباطن، والاقتراب الحقيقة الروحية القدسية والعالم العلوي.
لكن هذا الطريق في التصوف بالغ التكاليف لا يقوى عليه سوى عدد محدود من الزهاد والعابدين والعارفين، وقد ظل التصوف في الشرق شديد الاتساع وطويل الفترات دون أن يمارس أي تأثير بمسألة تحديده موقفًا من انحدار الشرق وتخلفه وخضوعه ومواجهته سياسيًا.
لقد أغرى التصوف عن التفكير في الانحدار الحضاري والتخلف، وعن السياسة التي يمكن أن تواجه في المصير الإنساني. فتوما الإكويني يقول بأن لكل فرد عقلًا فعالًا دون أن يكون هذا العقل روحيًا مفارقًا، وإذ يقطع صلة الفرد المباشرة بالعالم الإلهي العلوي يكفل للفردية استقلالها الروحي من جهة، وانسداد أفقها من جهة أخرى. وعندها تقوم الكنيسة بوصل ما انقطع بوساطتها الروحية الكهنوتية.