فهرس الكتاب
المسألة الكبيرة التي تواجهنا هنا هي بالدرجة الأولى تأسيس ابن رشد لما يمكن أن يسمى العلم الطبيعي، ثم إن هذا الأساس النظري الذي وضعه لتأسيس العلم الطبيعي لم يستطع بطبيعة الحال أن يفكر بما هو أبعد منه، في أوروبا كانت الرشدية اللاتينية قد تمسكت إلى حد بعيد بفكرة تقول بوجود ما يمكن أن نسميه الحقيقة المزدوجة، أي إن هناك كلامًا يقال في الوسط الديني، وهناك ما يمكن أن يعتبر ثمرة من ثمار التفكير الفلسفي، لكن هذا الأمر قد تطور في أوروبا بالذات، تطور من الرشدية اللاتينية إلى الرشدية السياسية، وكان هذا معناه بأن الأساس النظري الذي فسر به ابن رشد نشأة العلم الطبيعي قد أصبح أساسًا وسّع إلى حد بعيد لكي يصبح قادرًا على فهم كل السلوك الإنساني، سواء كان متعلقًا بالعلم الطبيعي أو بغير العلم الطبيعي.
وبهذا المعنى جاءت فكرة أنصار ما يسمى بالرشدية السياسية لكي تبدل إلى حد ما أو تعدّل إلى حد ما بالأسس الرشدية، لكي تستطيع أن تفسر لنا كيف يمكن لنا أن نضع أساسًا لسياسة ولنشاط سياسي، كيف يمكن لفهم جديد للعقل الإنساني أن يساعد على وضع المقدمات التي لابد منها لكي نستطيع أن نتابع لا في البحث العلمي، إنما في مجال العمل السياسي.
هذا كان الأساس الذي وضعه ابن رشد يقوم على تفسير ما نسميه العلوم الطبيعية، لكن قد وسّع هذا الأساس لكي يصبح فيما بعد تفسيرًا لكل النشاط الإنساني.
وبهذا المعنى جاء بعض من يسمى بالرشديين السياسيين، هم يعتمدون على الرشدية في تصورهم لأمور كثيرة، لكنهم الآن يجب أن يبرروا عن طريق الرشدية بالذات سياسة المعارضة للكنيسة وتجلى هذا بشكل خاص في كتاب شهير اسمه (دي فانسو باسيس) وقد ألفه الرشدي (مارسيليوس) وساعده فيه رائد الرشدية السياسية وهو (جان جان دون) الفرنسي.