ومما تقدم نجد ابن رشد يعلن تجاوزه لكل الفرق والمذاهب الإسلامية التي أولت القرآن تأويلات هي في رأيه ناقصة ومشوهة لأن أصحابها لم يملكوا منطق البرهان، فمنطقهم إما جدي أو خطابي كما إنه يتجاوز كل الفقهاء والمحديثن لكي يتصل مباشرة مع النص الديني النقي بدون واسطة فَهْمِ أي فقيه أو أي محدث أو أي زعيم لمذهب أو طائفة. وعلى هذا فهو لن يستطيع الادعاء بأنّه ممثل السنّة، إذ سيعترض عليه بأن الأشعرية هي ممثلتها وهي لم تسلم من نقده المر، كما أنه يرفض الإجماع الذي أخذ به الفقهاء والمحدثون يقول: [إن الإجماع ليس أصلًا مستقلًا بذاته] (35) ، وذلك لأنه [لو كان الإجماع أصلًا لكان يقتضي إثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان لا يرجع إلى أصل من الأصول المشروعة] (36) ، ويرى ابن رشد أن إجماع الأشخاص غير ممكن وغير مقبول (37) ، ولكن إجماع العقل هو الممكن والمقبول، ويعني ذلك أن العقل البشري عندما يصدر عن مبادئ واحدة هي الكليات التي يقوم عليها البرهان المنطقي فإن العقل يجمع عليها. وهنا يبدو ابن رشد في غاية المعاصرة العلمية، إذ أن اتفاق البشر على أمر مالا يجعل هذا الأمر حقيقة، لأن الحقيقة لا تستمد شرعيتها من كثرة القائلين بها ولو كانوا جميع سكان الأرض قاطبة، مادام هنالك رجل على الأقل يقول لا، لأن مثل هذا الرجل الواحد الوحيد المخالف لهم في الرأي قد يكون هو وحده الذي يملك الحقيقة.
إن الحقيقة تستمد شرعيتها من منطوقها الداخلي الذي لا يحتمل فيه وجود أي نوع من التناقض، وتستمد شرعيتها من وضوحها وبداهتها وتميزها وبما تفرضه بهذا الوضوح والتميز والبداهة وعدم التناقض من يقين على عقول البشرية جمعاء.
وهكذا نرى أن مشروع التأويل ومشروعيته عند ابن رشد ينطلقان من واقع المجتمع العربي الإسلامي، الواقع الخيالي والاجتماعي والثقافي من أجل إصلاح العقلية العربية وتوحيدها وتحريرها من الجمود والإنغلاق.