فهرس الكتاب
ولما كانت العلوم العقلية في البنية الإسلامية قد ظهرت متأخرة نسبيًا على أثر ترجمة التراث اليوناني إلى اللغة العربية ابتداء من منتصف القرن الثاني للهجرة تقريبًا، وكان المشتغلون بهذه العلوم منذ اللحظة الأولى موضع ريبة واشتباه من قبل الفقهاء والعامة، فضلًا عن ارتياب رجال السلطة السياسية أنفسهم الذين شجعوا هذه الترجمات وأغدقوا على من قام بها العطايا الجزيلة، فإن كل المشتغلين بالعلوم العقلية، وعلى رأسها الفلسفة، والتي نعتت دومًا بالعلوم الدخلية، لم يكن لهم أن يظفروا بدور معترف به يمارسونه داخل حياة هذا المجتمع، بل لم يكن لهم أن يظفروا حتى بالاعتراف بأن لهم ميدانًا أو حقلًا متميزًا يخص البحث العقلي دون غيره، بحيث يمارسون داخله نوعًا من الاستقلال الذي قد يؤهلهم للاعتراف بحقهم في تشكيل حياة المجتمع وبحرية البحث، وبأن تحترم أخيرًا النتائج التي يتوصلون إليها في ميدانهم أو على الأقل أن ينظر إلى هذه النتائج على أنها تتمتع بنوع من الاستقلال النسبي عن سلطة السياسي والفقيه والعامي. ولكن الذي حدث هو أن جميع هؤلاء قد تحالفوا بطريقة ما ولأسباب متباينة ضد البحث العقلي الحر. وكانت النتيجة أن نظر إلى الفلسفة دومًا على أنها نشاط غير مشروع، وعلى أنها نشاط خطر يتهدد الشريعة والعقيدة من ناحية، ويتهدد فوق ذلك من ناحية أخرى سلطة الفقهاء وعقائد العامة وربما سلطة السياسي الذي تمكن في الغالب من إخضاع الفقهاء وترويض العامة استنادًا إلى فتاوى الأولين، فلم تبق بعد ذلك إلا الفلسفة باعتبارها بحثًا عقليًا حرًا لا يستند إلا إلى أوائل العقول، تمثل فاعلية تجعل المشتغلين بها دومًا متمردين أو على الأقل على حافة التمرد بصفة دائمة.