فهرس الكتاب
ولقد شعر الفيلسوف بذلك ووعاه وعيًا عميقًا. لقد كان على وعي دقيق ومأساوي بأنه ليس للحكمة دور بارز في المجتمع الذي يحيا فيه. وكان يعلم أيضًا أنه لا محل لحكمته في مجتمع تسيطر عليه فكرة رئيسية واحدة، وهي أنه يمتلك الشريعة الخاتم التي تصلح لكل زمان ومكان. فما الحاجة بالعامة والفقهاء ورجال السياسة إلى جهود الفيلسوف، وهي جهود عقلية إنسانية لا يزعم صاحبها لها أدنى عصمة؛ بل إن الفيلسوف بحكم طبيعة الفلسفة ذاتها -يعترف بأنه معرض للخطأ والزلل، وأنه إنما يصدر عن أفكاره التي تتخذ من حبه للحقيقة سندًا، ومن تطلعه إلى الحق، ولا شيء غير الحق هدفًا ومقصدًا ونتيجة لذلك فسرعان ما انكمشت الفلسفة على ذاتها، وارتد الفيلسوف من عالم التاريخ والوقائع إلى عالمه الباطني، ومن ثم اكتفى بملكة العقل ميدانًا له، فاعتزل الناس وانسحب من حياتهم، واتخذ لنفسه موطنًا من عالم الأفكار الخالص لما يئس من تحقيق التطابق، بل التقارب، بين الفكر والواقع، فابتنى المدن الفاضلة هربًا من المجتمع الذي تنكر للفيلسوف في المشرق، ولم يلبث أن هجر هذه المدن ذاتها في المغرب عندما اكتشف (ابن باجه) أن هذه المدن لا تتمتع بالمعقولية الضرورية لقيامها وسط مجتمع معاد للفكر والعقل والفلسفة، فانخرط في رسم سياسة مثلى للمتوحد يسوس بها نفسه وسط مجتمع يهدد العقل والحس السليم مدفوعًا بغيرة ضارية تتخذ من الشريعة ستارًا.