فهرس الكتاب

الصفحة 15627 من 23694

ولم يلبث هذا (التوحد) أن لم يعد سياسة فعالة، فانتقل (ابن طفيل) منه إلى (الفرد الأوحد) فإذا كان (التوحد) إنما يتم وسط الجماعة عند (ابن باجه) ، فإن الفيلسوف عند (ابن طفيل) قد انتهى إلى أن التوحد والمتوحد أمور لم تعد ممكنة في ذلك المجتمع، وأيقن أن الفلسفة والحكمة لا يبنيها إلا (الفيلسوف الفرد) بمعزل عن المجتمع ودونما حاجة إليه، بل إن المجتمع في نظره يفسد حياة الفكر والتأمل على (الفيلسوف الفرد) وهذا ما اكتشفه (حي بن يقظان) ، كما تصوره (ابن طفيل) ، في جزيرته التي عاش فيها فردًا معزولًا عن كل حياة اجتماعية. ولكنه بالرغم من ذلك استطاع أن يكتشف الوقائع الكونية والعقلية دون ما معونة من المجتمع ولا من الشريعة التي تحكم المجتمع بسيف الفقه وسطوة العامة لصالح السياسي رجل الدولة.

على هذا النحو انتهت الأمور إلى (ابن رشد) وكان عليه أن يدلي بدلوه في هذا الصراع المرير الذي ظل الفيلسوف في الغالب يلعب فيه دورًا ثانويًا، وعلى الأغلب كان يعيش وكأنه متخفٍ خشية القوى التي تتهدده من كل جانب تحت رداء الطبيب والمنجم وربما القاضي أيضًا. إذ ليس هناك من هو مستعد لأن يكون متسامحًا تجاهه، لا الفقهاء ولا العامة ولا رجال الدولة، تجاه أسلوب حياته القائم على التأمل الحر والتفكير العقلاني النزيه الذي لا يتخذ له بداية إلا من ذاته ومن أوائل العقول التي لا تسلم بأي افتراض مسبق، ولا تنطلق إلا من العقل كما يبدو لذاته، ومن الفكر الحر الذي يتخذ من ذاته هدفًا لذاته باعتباره مطابقًا للحقيقة ولعمل العقل ذاته في حريته وموضوعيته على حد سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت