فهرس الكتاب

الصفحة 15628 من 23694

ولقد كان (ابن رشد) ، وسائر الفلاسفة في الثقافة العربية، على وعي بالدور السلبي الذي لعبته العامة في الحيلولة دون تأصيل الثقافة العقلية الحرة، ودون ترسيخ البحث الفلسفي النظري النزيه الذي لا يستهدف إلا الحقيقة لذاتها. ولكن (ابن رشد) ، وجميع الفلاسفة معه، كانوا على وعي بأن العامة قد استخدمت في هذا المسعى- على غير وعي منها- من قبل القوى التي كانت تمتلك الهيمنة والسيطرة على الدولة، وعلى الرأي العام، أي رجال الدولة الفقهاء، أو هذا التحالف بين مجموعة من الفقهاء وبين رجال الدولة بصورة دائمة.

هكذا انتهت الأمور إلى (ابن رشد) ومن ثم لم يكن بوسعه تحديد طبيعة السلطة ومستوياتها وضروبها إلا انطلاقًا من المشكلة كما انتهت إليه فعلًا. وهذا أمر طبيعي إذ ليس بوسعنا البدء إلا من المعطى التاريخي كما هو ماثل في لحظة معينة من لحظات التاريخ. ولم يكن بوسع (ابن رشد) إلا البدء من هذه النقطة. وعلى ذلك فإنه لو قال قائل: إن وضع المسألة على هذا النحو وضع خاطئ، لكان الجواب هو أن هذا الوضع من الناحية النظرية وضع خاطئ فعلًا، ولكن ليس بوسع المرء- من أجل وعي التاريخ والتأثير فيه والمشاركة في أحداثه -إلا الامتثال للحظة التاريخية كما كانت والبدء منها كما انتهت إلى المرء في وضع تاريخي معين.

وكثيرًا ما بدا أن العامة هي التي تمتلك سلطة الأمر والنهي في التاريخ الإسلامي، بينما الحقيقة هي أن العامة كانت تحركها دائمًا إحدى قوتين منفصلتين أو متحالفتين، وهما الفقهاء والساسة. ومن هنا فإن الفيلسوف إذ يضطر إلى تحديد موقف من العامة فإن هذا غالبًا ما كان يعبّر عن موقف دفاعي يتخذه ضد إحدى هاتين القوتين في بعض الأوقات وضدهما مجتمعتين في أوقات أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت