فهرس الكتاب
ولذلك فإن (ابن رشد) يقرر بلهجة القاضي والمفتي بأنه:"ينبغي أن يُقرّ الشرعُ على ظاهره، ولا يصرح للجمهور بالجمع بينه وبين الحكمة، لأن التصريح بذلك هو تصريح بنتائج الحكمة لهم، ودون أن يكون عندهم برهان عليها؛ وهذا لا يحل ولا يجوز، أعني أن يصرح بشيء من نتائج الحكمة لمن لم يكن عنده البرهان عليها، لأنه لا يكون مع العلماء الجامعين بين الشرع والعقل، ولا مع الجمهور المتبعين لظاهر الشرع. فلحق من فعله هذا إخلال بالأمرين جميعًا، أعني بالحكمة وبالشرع عند أناس، وحفظ الأمرين جميعًا عند آخرين. أما إخلاله بالشريعة، فمن جهة إفصاحه أيضًا بمعانٍ لا يجب أن يصرح بها إلا في كتب البرهان. وأما حفظه للأمرين، فلأن كثيرًا من الناس لا يرى بينهما تعارضًا من جهة الجمع الذي استعمل بينها. وأكد هذا المعنى بأن عرف [أي الغزالي] وجه الجمع بينهما، وذلك في كتابه الذي سماه (التفرقة بين الإسلام والزندقة) . وذلك أنه عدد فيه أصناف التأويلات، وقطع فيه على أن المؤول ليس بكافر وإن خرق الإجماع في التأويل. فإذن ما فعله من هذه الأشياء فهو ضار للشرع بوجه وللحكمة بوجه ولهما بوجه. وهذا الذي فعله هذا الرجل، إذا فحص عنه، ظهر أنه ضار بالذات للأمرين جميعًا، أي الحكمة والشريعة.. وذلك أن الإفصاح بالحكمة لمن ليس بأهلها يلزم عن ذلك بالذات إما إبطال الحكمة وإما إبطال الشريعة.." (3) فـ (ابن رشد) يعتقد جازمًا بأن الضرر قد لحق الشريعة والحكمة بالذات نتيجة لتصريح الغزالي بتأويلات محلها الحقيقي كتب البرهان. فما مغزى ذلك؟