فهرس الكتاب
الشريعة في الحضارة الإسلامية هي الوساطة الرئيسية بين الفرد والمجتمع، بل وبين الفرد ونفسه ولكن ليس ثمة شريعة في ذاتها، وإنما هناك شريعة مؤولة بطريقة ما. وهذا التأويل أو القراءة يكشف عن علاقات القوى بين الثقافة والسياسة أو بين المثقف ورجل الدولة. والتاريخ الإسلامي يكشف بوضوح عن هذه العلاقات وعن أنها لم تكن ثابتة دائمًا كما هو الحال في كل حضارة ومجتمع، بل قد كانت هذه العلاقات تتغير بتغير العناصر وتفاوت أدوارها -قوةٌ وضعفًا- في حياة الفرد والمجتمع والدولة. ولما كان الفيلسوف والبحث العقلي الحر في الحضارة الإسلامية هما أضعف الحلقات فيها، فقد ارتأى (ابن رشد) أن تظل الجمهور بالشريعة، أي بالوساطة التي تربط الفرد بالمجتمع، علاقة ظاهرية يكتفي الجمهور فيها التقيد بعموميات الشريعة وبالفرائض الرئيسية فيها، أعني الوقوف عند المعنى المباشر لأركان العقيدة الإسلامية من ناحية، وبالتزام ما تأمر به من عبادات، فضلًا عن إتيان الحلال وتجنب الحرام وفقًا لمنطوق الشريعة الظاهري والمباشر. وبعبارة أخرى لا يطلب من الجمهور إلا العمل، بينما يطلب من العلماء الجمع بين العلم والعمل. فيظل الجمهور بذلك مجردًا من كل سلطة. ولما لم يكن من الممكن للمرء أن يكون ذا سلطة في الحضارة الإسلامية إلا من خلال الشريعة، فإن (ابن رشد) قد استهدف من ذلك تأسيس نوع من السلطة في المجتمع الإسلامي لا يكون فيها للجمهور أي سلطة. ولئن لم يكن (ابن رشد) يذكر (السلطة السياسية) فذلك لأنه كان على علم بأن السلطة السياسية -ممثلة في الدولة- قائمة بصورة أو بأخرى من وراء كل أنواع السلطة في المجتمع الإسلامي إلا سلطة الحكمة أو الفلسفة الممثلة في المعرفة البرهانية التي لا يقدر عليها إلا الفلاسفة، فهي واقعة من وراء كل سلطة لأنها سلطة العقل أصلًا، على الرغم من أن المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية غالبًا ما انتهكا سلطة العقل وقوة البرهان.