فهرس الكتاب
وكأن بـ (ابن رشد) كان يتطلع بصورة خفيّة إلى إقامة دولة العقل، الدولة التي تكون فيها السلطة للفيلسوف وتكون الحكمة هي الدستور المهيمن عليها. إنه الحنين إلى المدن الفاضلة التي أقامها الفلاسفة في المشرق وعلى رأسهم الفارابي، ولربما كان هو أيضًا استحضار الأفلاطونية في صورة جمهورية للعقل ظلت على مستوى اللاشعور عند فيلسوفنا، لا سّيما أن هناك شروحًا له على جمهورية أفلاطون. غير أنّ يأس (ابن باجه) و (ابن طفيل) من المجتمع الذي كانا يعيشان فيه جعل (ابن رشد) يقصي فكرة الدولة المثلى، في عصر مثل عصر المرابطين والموحدين إلى نقطة تكاد تكون أبعد غورًا من اللاشعور ذاته غير أن الحلم هو واحد من العناصر التي يتفجر اللاشعور من خلالها في التعبير عن ذاته. ومع ذلك فإن (ابن رشد) لم يستطع حتى على مستوى الحلم، أن يشرع في مناقشة إمكان قيام دولة العقل.
فإن ما أراده (ابن رشد) من حرمان الجمهور من أي سلطة إنما هو تجنيب الفلسفة والبحث العقلي الحر أن يكونا ضحية لغضب الجمهور بتحريض من السلطة السياسية أو من بعض فئات الفقهاء. وقد اتخذ هذا الحرمان صورة حظر لإباحة التأويل وقصره على فئة معينة هم أصحاب الفطر الفائقة القادرون على النظر الفلسفي أو البرهاني.