يتضح مما تقدم كيف أزاح العقل الفقهي الشرعي الرشدي كل ما يمكن أن يعترض سبيل النظر الفلسفي. إن الشرع هو في عهدة الفلاسفة وحدهم، وهو لا يصفح إلا عن خطأ هذا الصنف من الناس، الراسخين في العلم. أما الخطأ الذي يقع من غيرهم فهو إثم محض، سواء أكان في الأمور النظرية أو العملية. وهكذا يقطع ابن رشد الطريق على غير الفلاسفة، (على المتكلمين) ، في الحكم على الموجودات، لأنهم لا يحوزون على شروط هذا الحكم التي هي معرفة"الأوائل العقلية ووجه الاستنباط منها" (21) . إن فتاوى ابن رشد في الدعم اللامحدود للفلسفة مشروطة بإقرار هذه الأخيرة بمبادئ الشريعة، أو أصولها، التي لا يعذر من يخطئ فيها كائنًا من كان، وهي"الإقرار بالله تبارك وتعالى، وبالنبوات وبالسعادة الأخروية والشقاء الأخروي" (22) . هذا النوع من الفلسفة، الفلسفة المؤمنة، هو الحق المبين، الحق المطابق للحق الشرعي والشاهد له. وهكذا يكون أبو الوليد قد نصر الفلسفة بالشريعة، والشريعة بالفلسفة، وبذلك دعم الاستراتيجية الثقافية للدولة الموحدية التي حفظت له مركزًا مميزًا يتناسب مع الدور الذي اضطلع به.