إن الشريعة حفظت دورًا مميزًا لأهل البرهان في نصرتها. ففي معرض كلامه على السبب في انقسام الشريعة إلى ظاهر وباطن، يؤكد ابن رشد على أن"الباطن هو تلك المعاني التي لا تنجلي إلا لأهل البرهان" (23) . ويكون الظاهر الذي هو"تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني"من نصيب غيرهم. وجملة القول، إن من الشرع ظاهرًا لا يجوز تأويله من قبل أي كان، ومؤوله كافر، كالمبادئ. كذلك، إن من الشرع ظاهرًا"يجب على أهل البرهان تأويله وحملهم إياه على ظاهره كفر" (24) . هذا الظاهر نفسه إذا أوله غير أهل البرهان وأخرجوه عن ظاهره، فإن ذلك يعد كفرًا في حقهم أو بدعة. وهناك صنف ثالث من الشرع اختلف أهل النظر بشأنه فألحقه بعضهم بالظاهر الذي لا يجوز تأويله، وألحقه آخرون بالباطن الذي لا يجوز للعلماء حمله على الظاهر، والمخطئ من العلماء في هذا الصنف الثالث معذور (25) . والتأويل محصور بأهل البرهان، وبالطرق البرهانية. أما إذا استعملت في التأويلات الطرق الشعرية والخطابية أو الجدلية، فإن ذلك يكون خطأ بحق الشرع وبحق الحكمة (26) . وهذا ما فعله أبو حامد، الذي على أئمة المسلمين"أن ينهوا عن كتبه التي تتضمن هذا العلم، إلا من كان من أهل العلم" (27) . وينبهنا ابن رشد إلى أن أكثر الطرق المصرح بها في الشريعة هي الطرق المشتركة للأكثر في وقوع التصور والتصديق، لأن مقصود الشرع هو تعليم الجميع، لا فئة قليلة من الناس. وأهل التأويل اليقيني عليهم أن لا يصرحوا بتأويلاتهم لأهل الجدل، فضلًا عن الجمهور، لأن ذلك يفضي بالمصرح والمصرح له إلى الكفر، ومن التصريح بالتأويل نشأت الفرق، ففرقت الناس. (هنا يستوقفنا العقل الرشدي للتاريخ الذي يرى أن التأويل كان سببًا في تفريق الناس وليس نتيجة لهذا التفريق) .