إن أكثر طرق المتكلمين في إثبات تأويلاتهم ليسوا فيها إلا مع الجمهور، لكونها أغمض من الطرق المشتركة للأكثر، ولا مع الخواص، لكونها إذا تؤملت وجدت ناقصة عن شرائط البرهان (28) . ويبرز بوضوح احتقار ابن رشد للأشاعرة الذين يجحدون كثيرًا من الضروريات، ويكفرون من يخالفهم،"وهم الكافرون والضالون بالحقيقة" (29) . فالأشاعرة بحسب ابن رشد"ضلوا وأضلوا" (30) . إن ابن رشد، في اجتهاداته الفقهية هذه، لا يريد إلا صد الأذى عن الشريعة التي تسربت إليها الأهواء الفاسدة والاعتقادات المجرمة. لقد لحقها هذا الأذى من قبل من ينسب نفسه إلى الحكمة، والحكمة براء من كل ذلك لأنها"صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة" (31) . كما لحقها الأذى أيضًا من"كثير من الأصدقاء الجهال ممن ينسبون أنفسهم إليها، وهي الفرق الموجودة فيها" (32) . إن الفقيه الشرعي في ابن رشد سيستمد العون من الفقيه الفلسفي في مواجهة المواقف الفلسفية التي تخالف المبادئ الشرعية، فالفقيه الفلسفي في ابن رشد، سوف يلجأ إلى التأويل، كما فعل الفقيه الشرعي، بيد أن التأويل هذه المرة سيتناول فلسفة الحكيم الذي سيحوله ابن رشد إلى حنيف مسلم لا علاقة له بالمشركين. فالله يعلم الموجود والمحدث، عند أرسطو، بعلم قديم هو علة وسبب للموجود والمحدث، ولكون الأمر كذلك لا يحدث في العلم القديم علم زائد كما يحدث في العلم المحدث، ولذلك لا يتغير العلم القديم."إن حدوث التغير في العلم عند تغير الموجود إنما هو شرط في العلم المعلول عن الموجود، وهو العلم المحدث" (33) . هكذا يحل ابن رشد الشك حول العلم الإلهي، الذي مصدره ظاهر الأرسطية لا باطنها، متبعًا في ذلك من سبقه من الفلاسفة المسلمين. فأرسطو الذي براهينه هي الحق المبين في عقيدة أبي الوليد، لا يمكن أن يكون موقفه من العلم الإلهي مخالفًا لموقف الشريعة، لأنه يمس مبدأ المعاد.