فهرس الكتاب

الصفحة 15655 من 23694

إن ابن رشد لا يتوقف عند البعد الأيديولوجي لمفهوم العلم الإلهي وعلاقة القول بالقدم والحدوث بدور الإنسان وحريته ومسؤليته عن حاضره ومستقبله. فمسألة العلم الإلهي القديم أو المحدث هي مسألة سياسية بالدرجة الأولى أي هي إعلان موقف من الصراع السياسي والاجتماعي الذي يدور على أرض الواقع.

إن الدفاع الشرعي عن الفلسفة ينتهي بابن رشد إلى تبني موقف متزمت شبيه بموقف أعداء الفلسفة، أي بمواجهة التكفير بالتكفير، والحصيلة قتل جديد لزنادقة جدد. والمحكمة هذه المرة تنعقد تحت لواء"الحق المبين"، ويقضي فيها من تنجلي لهم المعاني، لا أمثالها، ولذلك لا مجال لاستئناف الحكم. والمتهمون هذه المرة هم كل أولئك الذين يفكرون على الشرع ويتجرؤون على تأويله من دون أن يكونوا من أهل البرهان، وهؤلاء لا يجود بهم الزمن كثيرًا. والتهمة عدم الالتزام بالموقع الذي حددته لهم الفطرة. وهكذا يصادر الاجتهاد الفقهي الشرعي الرشدي، بالكامل، حرية التفكير وحق الاختلاف باسم تمايز الفطر، والحفاظ على إيمان الناس، وعلى وحدة الملة والشريعة. فبعد إصدار الحكم الفقهي بالمطابقة بين الحكمة والشريعة، وبالوجوب الشرعي للنظر الفلسفي في حق من هو أهل له، أصبح بإمكان ابن رشد الاستعانة بالأسلحة المتوفرة في الترسانة الفلسفية من أجل حسم الصراع مع علماء الكلام بعامة، والأشاعرة بخاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت