يتوقف أبو الوليد عند اضطراب الناس في أمور العقيدة، وتفرقهم إلى فرق ضالة، وأصناف مختلفة،"كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى وأن من خالفه إما مبتدع وإما كافر مستباح الذمة والمال" (34) . ويرى أن سبب هذا الاضطراب هو ضلالهم عن فهم مقصد الشريعة، الذي يتجلى في أقاويلهم المحدثة وتأويلاتهم المبتدعة. وهو يلجأ إلى استخدام النقد الفلسفي لبيان تهافت هذه التأويلات وقصورها عن إفادة اليقين، وتقصيرها عن مقصود الشرع، واتباع الطريق العقلية التي نص عليها (35) . فالحشوية، هذه الفرقة الضالة، قصرت عن مقصود الشرع ورأت أن طريق معرفة وجود الله هو السمع لا العقل. بينما الأشاعرة، على عكس الحشوية، رأوا أن التصديق بوجود الله لا يكون إلا بالعقل، لكن طرقهم في ذلك"ليست هي الطرق الشرعية التي نبه الله عليها، ودعا الناس إلى الإيمان به من قبلها" (36) . لقد قامت طريقتهم على مقدمات غير يقينية، واتبعوا في بيان مقدماتهم"طريقة معتاصة تذهب على كثير من أهل الرياضة في صناعة الجدل فضلًا عن الجمهور" (37) ، وهي غير برهانية، ولا مفضية بيقين إلى وجود الباري، ولا تصح لا للعلماء ولا للجمهور (38) . إن جماعة الكلام بعامة عندهم صناعة الجدل لا صناعة البرهان، لذلك لم يكن في قوتهم ولا في قوة صناعتهم حل الشكوك التي أثاروها في الطرق التي سلكوها لمعرفة وجود الله. فهم يلجأون إلى الانتقال من الشاهد إلى الغائب أو قياس الغائب على الشاهد، دون أن يتيقنوا من استواء طبيعة الشاهد والغائب (39) ، وما يزعمون أنه برهان هو ليس برهانًا ولا هو من الأقاويل التي تليق بالجمهور. إن طرق الكلام ليست طرقًا نظرية يقينية، ولا طرقًا شرعية يقينية. ولا واحدة من هذه الطرق هي الطريقة الشرعية التي دعا الشرع منها جميع الناس إلى الإقرار بوجود الله (40) .