كذلك الطرق الصوفية ليست طرقًا نظرية، وهي ليست عامة للناس بما هم ناس، وهي أيضًا ليست الطرق المقصودة التي دعا إليها الشرع، فـ"القرآن كله إنما هو دعاء إلى النظر والاعتبار، وتنبيه على طرق النظر" (41) .
إن الطريق الشرعية التي دعي الكل إلى سلوكها، عامة وخاصة، توصلًا إلى الإقرار بوجود الله، هي طريق دلالة العناية ودلالة الاختراع. ويكون الاختلاف بين معرفة الجمهور ومعرفة الخواص هو التفصيل. الجمهور يقتصرون على ما يدرك بالحس، بينما العلماء/ الخواص، فيزيدون على الحس ما يدرك بالبرهان. من هنا تأتي معرفتهم أكثر وأعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه (42) . وجملة القول، إن الظواهر الشرعية هي بنظر ابن رشد أقنع من تأويلات المتكلمين أعني أن التصديق بها يحصل أكثر مما يحصل بهذه التأويلات التي لا تقنع أحدًا والتي أضرت بالحكمة وبالشريعة معًا (43) . وهكذا تكون الفرقة الناجية الوحيدة، من بين كل الفرق الإسلامية هي فرقة الفلاسفة، هذه الفرقة لم تضل ولن تضل، إذ إنها سلكت ظاهر الشرع،"ولم تؤوله تأويلًا صرحت به للناس" (44) . إنها فرقة"أفضل الناس"، كما يكرر أبو الوليد في أكثر من موضع.