إذا كانت فرقة الفلاسفة هي الناجية، بنظر ابن رشد، فإن الفرقة الأكثر خطرًا وضررًا على الحكمة والشريعة، من بين كل الفرق الإسلامية، هي الأشعرية. إن أقوال هؤلاء هي أقرب إلى نفي الصانع من الدلالة على وجوده. وهم ينفون الحكمة عن الله، ومن أظلم ممن أبطل الحكمة وافترى على الله الكذب (45) ، لقد قال هؤلاء بحدوث العالم عن إرادة قديمة، مع أنه"ليس في الشرع أنه سبحانه مريد بإرادة حادثة ولا قديمة، فلا هم في هذه الأشياء اتبعوا ظواهر الشرع فكانوا ممن سعادته ونجاته باتباع الظاهر، ولا هم أيضًا لحقوا بمرتبة اليقين فكانوا ممن سعادته في علوم اليقين. ولذلك ليسوا من العلماء ولا من جمهور المؤمنين المصدقين، وإنما هم من الذين في قلوبهم زيغ، وفي قلوبهم مرض..." (46) . وقد تكون أقاويلهم سببًا للانخلاع عن المعقولات، إذ إنهم يرفعون الأسباب، ومن رفع الأسباب فقد رفع العقل. وأبو الوليد يريد ترسيخ العقل في الوجود، كل وجود، لئلا يقضي على المعرفة ولا يعود ممكنًا الإقرار لا بمبادئ الشريعة، ولا بمبادئ الفلسفة. إن الشرع اعتمد المعجز الأهلي والمناسب دليلًا على تصديق النبي، لا المعجز البراني، وذلك من أجل تأسيس العقل والاحتفاظ به (47) . وتأسيس العقل هو تأسيس للاكتساب الذي إذا لم يكن، تبطل الصنائع كلها، كصناعة الفلاحة، والحرب، والملاحة، والطب وغير ذلك، وهذا كله خارج عما يعقله الإنسان (48) . لقد افترق المسلمون حول أفعال الإنسان إلى فرقتين."فرقة اعتقدت أن اكتساب الإنسان هو سبب المعصية والحسنة، وأنه لمكان هذا ترتب عليه العقاب والثواب وهم المعتزلة، وفرقة اعتقدت نقيض هذا وهو أن الإنسان مجبور على أفعاله ومقهور، وهم الجبرية. وأما الأشعرية فإنهم راموا أن يأتوا بقول وسط بين القولين فقالوا: إن للإنسان كسبًا وإن المكتسب به والمكتسب مخلوقان لله تعالى، وهذا لا معنى له" (49) .