فهرس الكتاب

الصفحة 15659 من 23694

إن موقف الأشاعرة لا معنى له بنظر أبي الوليد لأنه يقضي على الاكتساب، وبالتالي على العقل وعلى العلم، وعلى القول ذاته أي على الأحكام والقضايا، ويكون التكليف هو من باب لا يطاق (50) . إن الاحتفاظ بالعقل، وبالتالي بالسببية، هو احتفاظ بالأساس الذي تقوم عليه الحكمة والشريعة معًا كما المطابقة بينهما. لقد خلق الله لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضداد، والأفعال المنسوبة لنا تتم بإرادتنا وبقدر الله،"وينبغي أن تعلم، يقول ابن رشد، إن من جحد كون الأسباب مؤثرة بإذن الله في مسبباتها أنه قد أبطل الحكمة وأبطل العلم" (51) .

إن الإقرار بوجود الفاعل في الشاهد هو شرط للاستدلال على وجود الفاعل في الغائب. وجملة القول، إن من يعادي العقل يعادي الشرع الذي لا نصير له غير العقل والعقلاء، أهل السببية والبرهان. إن التصدي للأشاعرة وكشف ألاعيبهم، وزيغ ومرض قلوبهم، وتهفيت أقاويلهم وتأويلاتهم، وتعرية شناعاتهم، هو انتصار للشريعة أولًا ثم للعقل والحكمة، ونصر لله وللإنسان بنظر ابن رشد. لقد حاول أبو الوليد تحرير الشريعة من مصادريها، ومدعي حمايتها والدفاع عنها، مبينًا أن لا خطر عليها إلا من هؤلاء وأمثالهم، الذين يصرحون بمعان لم يصرح بها الشرع بل صرح بضدها. فالأشاعرة مثلًا يزعمون أن العدل والجور يوجدان في حق الإنسان من قبل أنه مكلف وداخل تحت حجر الشرع، ولا يوجدان في حق من ليس مكلفًا، وبالتالي ليس ها هنا شيء هو في نفسه عدل أو جور أو خير أو شر. فالشرك بالله"ليس في نفسه جورًا أو ظلمًا، إلا من جهة الشرع، وأنه لو ورد الشرع بوجوب اعتقاد الشريك له لكان عدلًا" (52) . كذلك يقولون"إنه يجوز على الله أن يفعل مالا يرضاه أو يأمر بما لا يريده".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت