إن هذا الاعتقاد، يقول ابن رشد، هو كفر (53) . وهكذا يكون الأشاعرة، بنظر أبي الوليد، عاجزين عن فهم الحكمة الإلهية المعبر عنها في آيات الكتاب المبين، وتكون تأويلاتهم وأقوالهم ضلالًا وإضلالًا لكل من يذهب مذهبهم في أمور الدين.
حتى الآن نكون قد رسمنا الصورة التي توضح كيف تحرك العقل الرشدي في ميدان الفقه، فأفتى بشرعية النظر الفلسفي، لا بل بوجوبه في حق من هو أهل له. ثم رأينا أيضًا كيف انتقل هذا العقل إلى ميدان الخلاف، حيث واجه كل الإنتاج الكلامي على الساحة الثقافية، وبخاصة المذهب المهيمن، المذهب الأشعري، فبين قصوره المعرفي، وعجزه عن إفادة اليقين في كل الأمور التي تناولها، وضرره على الحكمة والشريعة معًا. وكل ذلك لجعل السيادة على الساحة الثقافية من حق الفلسفة، والفلسفة وحدها.
غير أن الفلسفة اتهمت وهوجمت فلسفيًا من قبل أبي حامد، وحكم عليها بالتهافت لعدم إيفائها بشروط المنطق والبرهان. فهذه المرة يتم الهجوم بأسلحة الفلسفة على الفلسفة ومن الداخل. يزعم الغزالي في"تهافت الفلاسفة"إن الفلسفة الإلهية متناقضة وغير مستوفية للشروط المنطقية المفروضة في علوم البرهان. لذلك انتهى الفلاسفة إلى مواقف تتناقض مع ما جاء به الشرع، وتصادم أصول الإسلام. وهكذا ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل"وعقائدهم وآراؤهم هي على التحقيق مضاحك العقلاء وعبرة عند الأذكياء". وبسبب من ذلك يجب زجر الناس عن مطالعة كتبهم، إذ إن"البلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء. والعمى أقرب إلى السلامة من بصيرة حولاء" (54) .