في مواجهة الغزالي وحملته على الاشتغال بالحكمة وعلوم الأوائل، يمارس العقل الرشدي، هذه المرة، الفقه الفلسفي، استنادًا إلى المرجعية الأرسطية التي تبقى دومًا عند أبي الوليد هي الحق المبين. فهو يعمد، في كتابه"تهافت التهافت"إلى تحليل الأقاويل المثبتة في كتاب الغزالي، ويبين مراتبها في التصديق والإقناع"وقصور أكثرها عن رتبة اليقين والبرهان" (55) . وتتوالى أحكام ابن رشد على أقوال الغزالي كالآتي: أقوال في أعلى مراتب الجدل، وليست واصلة موصل البراهين. سفسطائية. ركيكة الإقناع. كلها في غاية الوهن والضعف إلخ (56) . ثم يتجاوز ذلك إلى التشكيك بأخلاقية الغزالي:"أقواله شريرة"وخلقه"بعيد عن خلق القاصدين لإظهار الحق" (57) .
إن الغزالي كان قد ساوى بين الأشاعرة والفلاسفة في عدم امتلاك البرهان على بعض المواقف الفكرية، ورفض دعوى الضرورة مميزًا بين أنواع من الضرورة،"فما هو ضروري عندكم ليس ضروريًا عندنا". أنتم تدعون الضرورة علينا في أمور، ونحن كذلك، وهذا الأمر يجعلنا على قدم المساواة، ولا يغلب أحدنا على الآخر (58) .
يرفض ابن رشد أن يكون الفلاسفة يفتقدون الأدلة على مواقفهم وأقوالهم، كما هي حال الأشاعرة ويرى أن الحكم في الأمور الضرورية هم أصحاب الفطرة السليمة الفائقة كما يتهم الغزالي بقلة التحصيل الفلسفي وبجهل فلسفة الحكيم (أرسطو) ، لأنه لم ينظر إلا في كتب ابن سينا، فلحقه القصور في الحكمة من هذه الجهة، وأتت أقاويله متهافتة.