فهرس الكتاب

الصفحة 15674 من 23694

ويضاف إلى السمات المميزة لفلسفة ابن رشد ودوره ميزة الانفتاح والتفاعل الفكري والثقافي مع الفلسفات والثقافات الأخرى، وذلك من خلال اعترافه بفضل القدماء في إيجاد واعتماد المقاييس العقلية وإن كانوا من خارج الملّة من غير المسلمين، كما تتجلى عقلانيته وديمقراطيته في مواقف عديدة وخاصة في موقفه الرافض لفرض طرق محددة في التوصل إلى معرفة الله، وقد أقرَّ بتعدد هذه الطرق حسب مراتب ومستويات العقول، واعتبر الأشاعرة هم الكافرون والضالون بالحقيقة لكونهم كفّروا من ليس يعرف وجوده سبحانه وتعالى إلا بالطرق التي وضعوها لمعرفته في كتبهم، كما رفض فكرة التكفير بعد خرق الإجماع لكون الإجماع عنده يستحيل في الأقوال البرهانية، ففي مثل هذه التحديات والمؤثرات الثقافية والايديولوجية الدينية كان من الطبيعي ومن الحكمة والحنكة معًا أن يتناول ابن رشد تسويغ ترويج ترويج فلسفة أرسطو والقياس العقلي البرهاني من الناحية الفقهية الشرعية أولًا، فهو نفسه قاضي شرع، وقد بدأ كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال) بالقضايا والمسلمات والآيات الشرعية المعوّل عليها في جواز النظر في الفلسفة واستخدام العبارات والمصطلحات الفقهية كالمباح والمحظور والمأمور وجهة الندب وجهة الوجوب، أي تناول المسألة من الزاوية الفقهية، وذلك جنبًا إلى جنب مع ذكر الآيات الشرعية التي تحض على إعمال العقل والنظر.

ويلاحظ أن ابن رشد استخدم عبارة الحكمة بدل الفلسفة من أجل تقريب الفلسفة إلى المتدينين وتصويرها كأصيلة لا كدخيلة مستوردة، ورغم تبني ابن رشد لأرسطو في تعريفه للفلسفة والمحدّد بالنظر بالموجودات بما هي موجودة، فإن ابن رشد زاد عليه بقوله في تعريف الفلسفة، فعل الفلسفة ليس شيئًا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، فإنما المصنوعات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت