أما الهدف من هذه المقدمات فقد كان دائمًا طلب الحقيقة التي هي بالنسبة إلينا في هذا البحث الإجابة عن السؤال الذي طرحناه منذ البداية.
والإفاضة في معرفة مدى أصالته (أقصد مشروع ابن رشد) وما كان تأثيره في التطور الذي لحق بعلم الفلك فيما بعد. وما هي دلالاته لفهم النظرية الطبيعية في الفيزياء الحديثة والعلوم الطبيعية إلى أيام نيوتن وماكسويل.
سنحتاج هنا إلى مقدمة وجيزة لتاريخ النظريات الفلكية اليونانية، التي كانت ماثلة بلا شك لابن رشد، سواء باطلاعه عليها بشكل مباشر في كتب أصحابها، أو عن طريق تعامله معها أثناء شروحه على كتاب السماء والعالم. إذ كان أرسطو قد ضمنها جميع أقوال القدماء تقريبًا، بما فيها من اختلاف واتفاق فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم وبينه (أعني أرسطو) من جهة أخرى.
إذا استعرضنا تاريخ الفلك اليوناني، منذ القرن الرابع ق.م وحتى كوبرنيكوس (في القرن السادس عشر للميلاد) فإننا سنقف على اتجاهين رئيسين:
الأول: اتجاه رياضي. والثاني: اتجاه طبيعي (فيزيائي) أو كوسمولوجي.
الأول: بدأ مع فيثاغورس وتزعمه أفلاطون، وأطلق دعوته الشهيرة والتي عرفت فيما بعد بالمشكلة الأفلاطونية، وهي (إنقاذ الظواهر) . وقد وصل هذا الاتجاه لذروته مع بطلميوس، الذي بقي تأثيره إلى أيام كوبر نيكوس. وتتلخص مقولة هذا الاتجاه بتمثيل الكون تمثيلًا رياضيًا، وذلك بوضع فروض وصيغ رياضية وهندسية تؤدي إلى الفهم والتنبؤ بالأحداث الظاهرة في الكون، كالخسوف والحركات الكثيرة للكواكب المتحيرة. وقد فرض هذا الاتجاه هيئة للسماء رياضية بحتة، ولم يعترف بواقعية الوجود المحسوس إلا من جهة هو وجود ناقص.
والخلاصة، كان إنقاذ الظواهر هو هدف البحث في هذا الاتجاه الرياضي. وبالطبع تمكن هذا الاتجاه من رصد كثير من الحركات السماوية، والتنبوء بالمشاهدات الفلكية، وتحقيق الغرض العملي والنفعي من معارف علم الفلك، كالتقاويم والكسوف والأوقات وغيرها...