فهرس الكتاب
لقد نجحت حملة الغزالي على الفلاسفة: فمن جهة زكت وجهة نظر الفقهاء المتزمتين الذين اعتبروا الاشتغال بالفلسفة كفرًا وإلحادًا، ومن جهة أخرى أقامت الدليل على استحالة البرهنة على قضايا الدين بواسطة المنطق والفلسفة، ولذلك كان لابد والحالة هذه، من أن تتجه العقلانية الإسلامية على عهد الموحدين نحو البحث عن رؤية جديدة لعلاقة الدين بالفلسفة، رؤية تقوم على أساس الفصل بينهما للاحتفاظ لكل منهما بهويته، وتحديد مجال نفوذه، وهكذا، فإذا كانت العقلانية الإسلامية قد بلغت مرحلةعالية من النمو والتطور مع الفارابي خاصة بمحاولاتها الدمج بين الدين والفلسفة، فإنها قد بلغت مرحلة أعلى مع ابن رشد بانكبابها على الفصل فصلًا عقلانيًا متقدمًا بين الدين والفلسفة. وذلك هونفس السياق التطوري الذي ستعرفه العقلانية في أوروبا بعد ابن رشد مباشرة. لقد ركز الرشديون اللاتين في أوروبا نفس المحاولة التي عرفها المشرق في الفلسفة، ثم تجاوزت هذه المرحلة في عصر (الأنوار) بقيام تيارات تكرر في خطوطها العامة وجهة نظر ابن رشد الداعية إلى الفصل بين الفلسفة والدين.. لقد نظر ابن رشد، إذن، إلى الدين والفلسفة كبناءين أكسيوميين، فرضيين، استنتاجيين، يجب أن يبحث عن الصدق فيهما داخل كل منهما، لا خارجه، ذلك لأن المبادئ والمقدمات، في الدين كما في الفلسفة، مبادئ موضوعة، يجب التسليم بها دون برهان. وهكذا فإذا أراد الفيلسوف أن يناقش قضايا الدين فعليه أولًا أن يسلم بمبادئ الدين، وإذا أراد العالم الديني أن يناقش قضايا الفلسفة، أية فلسفة، فعلية أن يسلم أولًا بالمبادئ التي شيدت عليها هذه الفلسفة" (6) ."
ثانيًا: رأينا في فلسفة ابن رشد، أسباب دعوتنا إلى فلسفة رشدية عربية معاصرة وأهدافها: