فهرس الكتاب
بما أن الحديث عن الفلسفة الرشدية العربية المعاصرة يرتبط بتحديد الموقف من التراث العربي الإسلامي، سنستعرض في البدء بعض الآراء التي تعكس في الفكر العربي المعاصر اتجاهات مختلفة في النظر إلى التراث العربي الإسلامي.
1-يرى الدكتور محمد عمارة في كتابه"التراث في ضوء العقل"إن الناس فيما يتعلق بالنظر إلى التراث- تراثنا العربي الإسلامي- تتوزعهم ثلاثة مواقف: موقف الثورة على كل المواريث وموقف الجمود عند لون واحد من التراث، وموقف السلفيين العقلانيين، وعليه فإن تيارات الفكر التي اختلفت واصطرعت حول الموقف من التراث هي التالية:
أ- التيار الذي دعا إلى هدم التراث أو التجاوز له مع استبداله بتراث الحضارة الغربية.
ب- والتيار الذي تربى في أحضان المؤسسات التقليدية الجامدة المحافظة والذي لم ير من تراثنا سوى ثمرات عصر الركاكة والانحطاط...
ج- ثم تيار الاستنارة والتجدد الذاتي الذي دعا إلى الانفتاح على حضارة الغرب، دون أن تكون بدايتنا بالضرورة من حيث انتهى الغربيون... ونادى بالتفاعل مع الحضارات العريقة، دون أن نفقد الأمة خصائصها ومميزاتها، وبشر بالتمايز الحضاري بناء على أن لهذه الأمة- إلى جانب الوطن المستعمرة والثروة المستباحة- مشروعًا حضاريًا هو جزء من سماتها الخاصة وقسماتها المميزة، وهو أيضًا سبيلها كي نسهم في إثراء الفكر الإنساني عندما تنهض اليوم غدًا.
ثم يحدد الدكتور عمارة موقفه من التراث قائلًا:"هكذا نجد أن السبيل إلى نهضة أمتنا هذه إنما يكمن في مواصلة النهج التجديدي الذي سعى أعلامه إلى بعث الأمة وإنهاضها وتجديد حياتها، دون أن تنسلخ هذه الأمة عن تراثها الخلاّق وحضارتها المبدعة، ذلك أن هذا الانسلاخ -مثله كمثل الجمود- عدو النهضة الحقيقية، وبهما معًا تقرُّ عين الأعداء الذين لا يريدون لهذه الأمة بعثًا ولا تقدمًا ولا إحياءً" (7) .